منتديات وقاص هارون
مرحباً بك في منتديات وقاص هارون

ترحب بكم


أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

مذكرات مكي على ادريس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 مذكرات مكي على ادريس في الأربعاء نوفمبر 03, 2010 9:28 am

وقاص


مدير عام
هذه المذكرة منتقاة من حوار الاستاذ مكي على ادريس في منتديات عبري تبج
&&&&&&&&&&&&&&&&&


ليلة مولدي
كان شيوخ قرية (عبري)، يصطفون حول فانوس المولد المعلّق بأعلى القضيب المنتصب بوسط سوق عبري، ذات ليلة قمرية، في منتصف القرن الماضي، يؤمّهم الحاج فرح، ولفيف من هواة الذكر والمديح النبوي، حين هرول بعض صبية حي "بُلُك" حاملين خبر مولد طفل ذكر في بيت الدنقلاوي علي إدريس بلال، حيث نفحته " فاطمة الشيخ المحسية، بالمولود الثالث ، بعد " بدرية " و"محمد" الذي اكتسب لقب " عطية" في سنوات لاحقة.
كانت القرية في تلك السنوات تعجّ بالأسر القادمة من نواحي دنقلا، ربّما منذ حملة ود النجومي الانتحارية التي أجبرت عواصفها العديد من السكان على الهجرة شمالاً، باتجاه سادا (مصر)، وكان أبي يعمل مزارعاً في سواقي العمدة عبد الرحمن حسن –رحمه الله-،، بصحبة عبد الرحيم خليل (العمدة لاحقا)، وعبد الرحمن قرناص، عليهما الرحمة، وكان جدي إدريس بلال، الذي ينتمي إلى جزيرة "مقاصر" قد جاء إلى قرية عماره قادماً من كوشة، بعد انتقال المركز منها إلى عبري حوالي 1914م، وقد عمل خبيراً في طريق درب الأربعين.. هكذا قال أبي.

قال أبي أنه في تلك الليلة، مدّ رقبته وسط الحضور، ليقتنص نظرات الترحيب في وجوه الحاضرين، وكانوا قد انهمكوا في طقوس الأكل، فبرغم أن مولد طفل جديد في تلك السنوات، كان عبئاً إضافياً، فإن أبي بدا منشرحاً، لأن ميلاد طفل جديد في بيته، كان يعني بلغة العامة توثيق صلاته بعمارة وعبري التي هاجر إليها عام 1914م، بتأكيد أهليته الأسرية،.. أبي تزوج بأمي في يوم 26/4/ 1938م قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية.

بعد تناول الأكل، وقبل الشروع في طقوس الذكر والدعاء ، صدح الحاج فرح، قائلاً: مبروك يا (علي سونجي)، وإن شاء الله يتربى في عزّك، ويا ريت تسميه "مبارك"، لأنه وُلد في ليلة المولد، عندها أومأ الحضور لأبي مهنّئين ومباركين..
جاءت عمّتي نفيسة –رحمها الله- وكانت تسكن بقرية عمارة، جاءت يوم السبوع وهي تحمل اسم "مكاوي" للمولود الجديد، وكانت مبهورة بالاسم، الرنان الذي يحمله أحد أبناء العمدة عبد الرحمن حسن، عمدة عمد سكوت،

وقالت أمّي أن زوجة العمدة، أعلنت عدم قبولها بسرقة اسم ولدها، وقالت لها من فوق حمار أبيض ملجم بالحديد:
"خلاص!! التاني كمان سموه حسن" إشارة للراحل المقيم حسن عمدة – رحمه الله- ..

وجاءتني الفرصة، وأنا في الصف الأول الابتدائي (الثانوية العامة بلغة محي الدين صابر)، كانت شهادة ميلادي الحقيقي ( محلك سر)، تحمل اسم مكاوي، بينما كان رفاق الصبا ينادونني " مكي" فاخترت الأخير عنواناً، لسهولة النطق، وخروجاً عن عقوق بيت العمدة، الذي كان له فضل بقائنا كأسرة بقرية عبري، وامتدت تلك الصلة وثيقة – حتى تاريخه-

هنا أرجو أن استنهض صديقي خليل عبد الرحيم، ورفيق الصبا، ذو الذاكرة الحديدية، ليخوض معي هذا السرد، فقد كان صديقاً متمرداً، لا تفارقه أنفته المستحقة، وودّه الباقي، وللتاريخ أذكر أن "أسرة العمدة" ظلّت تحتفظ بتلك الآصرة الدافئة، بينها وبين عوام الناس، أبناءً وأحفاد، ليس الآن فحسب، بل كانوا كذلك في أوج سلطاتهم اللامحدودة، على ذمّة الراوي.

وهكذا جئت إلى الوجود ..

ولدت هكذا بقامة أبي ولونه الأسود، وثورته التي لا تحدها حدود، حين يغضب.. وعفوية أمي وطيبتها، ونظرتها الصوفية للحياة.. وبعض رذاذ الشارع المفتوح.

ولدت في 17 ( نوفمبر)، من ذلك العام، وأحتفلُ معنوياً بعيد ميلادي مع الفريق إبراهيم عبود قائد السطو العسكري الأول على السلطة ببلادنا، منذ خروج الإنجليز.. لذا أجد الأستاذة الفاضلة " أم النوبيين" سعاد إبراهيم أحمد، لا تحب تذكيري بذلك التأريخ البغيض..

كان بعض الوافدين من نواحي المحس ودنقلا وحلفا، يسكنون في الجزء الشمالي من القرية، شرق السوق الحالي.. وهو الجزء الذي كان فيما مضى، معقلاً ومسكناً للعسكر وموظفي الدولة من إنجليز ومصاروة، بينما ترقد قرية عبري القديمة منبسطة على شاطئ النهر العتيق، وتمتد جنوباً بشكل نصف دائري، محفوفاً بالآلاف من أشجار النخل المشرئبة، دون انقطاع، حتى مشارف جزيرة صاي، وتضم عبرنساب، عبرنكونج، وقرية تبج.
قبل الحرب العالمية الثانية، كانت المراكب الشراعية الضخمة، تمخر عباب النيل من كرمة والشايقية إلى الحدود المصرية، وتحمل في متونها شحنات من التمور والبقوليات التي تنتج بكميات متواضعة في الحيازات الصغيرة والمتمثلة في الزراعة بالسواقي والشواديف، بينما كانت القوافل البريّة تتجه شمالاً إلى وادي حلفا، وجنوباً حتى كرمة، محمّلة بالبضائع، وأثواب الدمور والحلويات والسكر والشاي وبعض المنتجات الزراعية. وبعض المسافرين.
كان تجار السّكوت، يسافرون في قوافل صغيرة إلى منطقة الدّبة، ثم يعبرون النيل إلى نواحي طريق دنقلا-أم درمان، ثم يميلون إلى الدويم، وكانت لهم سوقاً تجارية ، يشترون منها المصنوعات اليدوية،والجلدية بشكل عام، ومواعين القرع المنقوش، وأقداح الأكل الخشبية، المصنوعة في الغرب السوداني ( كردفان ودارفور، ويقول بعض كبار السنّ، أن بعض كبار التّجار كانوا يتاجرون بين المحس والسكوت، والغرب مباشرة بطريق درب الأربعين، وعن ذلك الطريق هاجر الكثير من النوبيين إلى غرب السودان، ولا أستبعد العكس، ففي قرانا نجد العديد ممّن ترجع أصولهم إلى الغرب السوداني ، وعلى رأي بعض المؤرخين فإن المحس وأهل السكوت ونواحي حلفا، هاجروا فعلاً من كردفان إلى ضفاف النيل واستقروا في مناطقهم الحالية، واختلطت لغاتهم باللهجة الدنقلاوية وأفرزت لهجة الفاديجا الحالية والتي تضم مناطق (محس-سكوت-حلفا – والنوبة المصرية)، أما لهجة الكنوز فبقيت على ما كانت عليه، لم يتمكن الفاديجا من التأثير عليهم، إلاّ بقدر ذلك الفارق البسيط بين لهجتي دنقلا- كنوز، وهم شعب مملكة دنقلا قبل حلول الفاديجا، فاسم الكنوز مجرد لقب رفيع تقلده حاكم مملكة الكنز الإسلامية، بعد تسليمه "أبي ركوة" الأموي لسلطات الوالي في مصر.

عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ظهرت أولي العربات التجارية، وحلّت محل القوافل البرية والمراكب الشراعية. ويقال أن المرحوم )هاشم محمد بدر) من أوائل الذين حملوا رخصة قيادة العربات في منطقتنا، بينما يقول عمنا الراحل محمد عثمان حاج، أنه شاهد "علاء الدين محجوب" من عبري، يقود سيارة عام 1935م ، وقال بأن تلك السيارة كانت من بقايا حرب الكفرة، والتي تمّت صيانتها في مدينة وادي حلفا، "التوفيقية" قبل مجيء اللورد كتشنر إليها، والذي مدّ خط السكة حديد من حلفا إلى كرمة" كمرحلة أولى، قبل أن يتجه إلى أم درمان بطريق (حلفا- أبي حمد (.

كانت قرية عبري محطّة برّية وسوقاً تقليدية للقرى التي تجاورها، يتوارد إليها أجناس عديدة من البشر، يمرّ بها حجّاج بيت الله الحرام القادمين من غرب السودان وبلاد التكرور، وقد حملوا فوق ظهورهم بعض البضائع التقليدية كالعطور وقلائد الخرز والدبابيس ..الخ، كما يمر بها المسافرون من نواحي السودان المختلفة، في طريقهم إلى مصر، بينما تخصّص الشوايقة والمناصير في شراء شتول نخل السكوت المعروفة بالجودة،

منذ بواكير صباي كنت أعمل في "مطعم" الخال عثمان الشيخ –رحمه الله- وهكذا دخلت في أجواء السوق المكتظ بالمتحدّثين بالعربية، ( لا أدري، ككثير من أبناء القرى في الشمالية ،متى أجدت التحدّث باللغة العربية)، ولكني أفهم أن وجودي في سوق عبري جعلني منفتحاً، أكثر من غيري من الأنداد.

في الحي، كانوا يلقبوني ب(اوشّي) ومعناه العبد، لسمرة لوني، والذي أفاخر به الدنيا، فهي ورقتي الأصلية للانتماء ، كوني نوبياً، ولم يربطوا اسمي بأمي إلاّ في مرحلة متقدّمة (مكي بابه)، وكنت فخوراً بذلك، حيث أن كثيرون في قرانا يحملون مثلي أسماء أمهاتهم، من أمثال سعيد حجّة، سيد حميدة، عباس صليحة، حسن دُقدُق، حسن اريا، عامر سيدة. ولا شك أن الخلفية الأمومية للشعب النوبي، ومدى احترام الأهالي لأمهاتهم، وعلى أرضية ثقافة (أم الملك)، وتتويج "ابن الأخت" كملك، أفرز هذا الجانب المهم في دور المرأة في الحياة الاجتماعية، وصنع الحياة وحماية البيئة.

آشه ابدون – جدّتي لأمي :
هناك، شخصية محورية لوّنت ميول مكي علي إدريس في تلك السنوات الضبابية، تلك هي" آشه أبدون"، جدّتي لأمي، وترجع أصولها إلى قرية جدّي – المحس، تزوّجها جدّ ي الشيخ إدريس الصائغ، الذي كان (تبد) حقيقي وفنان، ورّّث أخوالي " عثمان الشيخ" وحسن الشيخ، رحمهما الله، تلك المهنة النادرة (الآن) في منطقتنا، ولكن الأحفاد مبارك عثمان الشيخ وإخوته بعبري استبدلوها بأعمال اللحام وشيئاً من تلتيق اللديترات بسوق عبري.. آشه أبدون هذه، ورّثتني الكثير، الصّبر ، القناعة، توسّم الخير في الآخرين، والسخرية أحياناً، فقد كانت إنسانة مرحة، وجادّة بصرامة، ولكني لم استوعب دروسها في إدارة الخد الأيسر عند الشدائد.. قضيت معها أحلى سنوات الطفولة، واستعمرت خيالي البسيط بقصصها ونوادرها التي لا تنتهي، كان حضنها الدافئ مسرحي ومربط بوارجي وسفني الخضراء، ، أماّ أهم ما رضعته منها فهي اللغة النوبية، المحسية المطعّمة بلون الأرض وشبقها الدائم للبقاء الآمن.. آشه ابدون كانت لا تخشى شيئاً في هذا العالم قدر خشيتها وارتعابها من مجرد رؤية (العسكر)!!! " كورتي مور.. ويبدو أنها كانت على حق.. ففي كل المعمورة يظل العسكر – في خدمة الشعب- ولكن أنظمتنا البائدة والآيلة إلى الفناء، شوّهت صورة الحارس الأمين إلى صور بشعة من " زوّار الفجر" وملاحقة الأبرياء وحماية الظلمة والمفسدين ومصّاصي دماء الشعوب، ولبن الأطفال!!

كان عالمي محدوداً بدرجة بريئة، كنت أعتقد أن بلاد السودان تقع شمالاً، مباشرة بعد كوشة، ومن خلال حكاياتها وقصصها المثيرة تعرّفت على مفردات لغوية، أجدها الآن نائمة في تجاويف الذّاكرة..

البيئة، كانت صديقتي، كنت أحاول أن أجد تفسيراً لأي شيء تقع عليه عيناي، ولهذا السبب كنت أتلقى لدغات عديدة، من جراء حشر أنفي ويدي في جُحور المجاهيل، كاد يقتلني ذلك الحبّ الخرافي للاستطلاع.... غير أن الأستاذ محمد صالح قاسم (من أرض الحجر) والذي قام بتدريسنا في مدرسة عبري الأولية، وصفني بالاهمال، وقال لبعض زملائه " ذكاء مدفون في الرمال" يومها لم أفهم المعنى العام، ولكنني اعتقدت أنه يمدحني ويصفني بالذكي.. وكنت " خفية" أشعر بنوع من الفخر.. أذكر ولا أنسى، جدول الضرب، والضرب المبرّح الذي كان يلازمنا صباح كل يوم سبت، رحم الله أستاذ مادة الحساب (الرياضيات لاحقاً(، فقد ورّثني كرهاً لا يزول لتلك المادة المزعجة.. كما أحببت ذلك الأستاذ الرياضي محمد شريف "من حلفا"، والذي حبّب إليّ مادة التاريخ... والبحث الحثيث.. ربما إعجابي به " كمعلّم صادق" هو الذي وجّهني للبحث والتنقيب في ملفات الثقافة والتاريخ..

أمّا اللغة العربية، فقد تلقيت دروسها الأولي وامتهنت عشقها على يد أستاذي الكبير" الراحل حسن أحمد صابونة" رحمه الله، "معلّم الخلوة" في مباني مدرسة عبري الإبتدائية القديمة، بالجانب المقابل لقصر الشيخ أحمد خاطر، وبمواجهة بيت محمد عبد الحميد الأزهري (مُمُور)، أقول بهذا لأنني كنت قادراً، قبل الدخول في المدرسة الأولية، على كتابة خطابات أهل قريتي "بُلُك"، ببراعة، وكنت كاتم أسرارهم الأمين.. ذات مرة جلست عمّتي نفيسة إدريس وأمرتني بكتابة خطاب إلى وحيدها عبد العزيز الذي كان يعمل "محولجي" في السكة حديد بمحطّة كبوشية، وكان قد تأخر في رد خطاب سابق لها.. وكانت تمليني الخطاب وتصرّ على معاينة ما أكتب (بإعادة قراءة ما كتبت)، وتصاعد غضبها رويداً رويداً، ثم أنها بكت بحرقة، فكتبت " أمّك بكت وماتت من البكاء" وفي الأسبوع التالي حضر ولدها عبد العزيز من كبوشية، للعزاء!!

في المدرسة الأولية (الابتدائية حاليا)، تفتّحت آفاقي الاجتماعية، بوجود تلاميذ من القرى المجاورة، ولا زالت تلك العلائق الحميمة تقبع في قاع الذاكرة بحلوها ومرّها.. كنت ضمن التلاميذ (الخارجيين) الذين لا يسمح لهم بالسكن في الداخلية. كان الفقر جامعاً لكل التلاميذ، لم يكن ثمة فوارق بيننا وبين أبناء التجار المحليين، وفي تلك السنوات ظهرت أولى نوازعي القيادية عندما كوّنت عصابة من أبناء "عبرساب" للسطو على مزارع البطيخ وأشجار الفاكهة النادرة هنا وهناك. هناك شائعة غريبة تقول بأن سرقة البطيخ "حلال!!"، وقد أعزو ذلك إلى روح الكرم والتكافل الموغلة في العلاقات العامة، بحيث أن الجائع والضيف يمكنهم أخذ البطيخ دون استئذان، ويبدو ذلك من شيوع جلب الرطب من النخيل دون مساءلة مالكيها، عن طيب خاطر...

سوف أتعرض لتفاصيل تلك المرحلة، لاحقاً، ويقيني بأن الأخ اللدود "حاج" وذلك هو لقب صديق العمر خليل عبد الرحيم.. سوف يحشر أنفه كالعادة، فهو لن يسمح لي بتناول قصص تلك المرحلة، قبله...

حوالي 1959م، افتتح شباب ورجال عبري ناديهم العريق، على أرضية نشاط اجتماعي ثقافي رفيع، في البداية تم اختيار منزل عبده رجب، بجوار مدرسة البنات القديمة، وفي تلك السنة كان الخال عثمان الشيخ إدريس يدير "البوفيه" المتواضع، ويقدم مشروبات الشاي والكاكاو والسحلب المجلوب من مصر، وشندوتشات الفول والعدس للراغبين، وكنت حينها أعمل مساعداً لخالي وأقدم الطلبات للأعضاء المنهمكين في لعب الورق، الطاولة، السيجة، فوق أبراش قديمة.. ولأستاذي الفاضل شوقي حمزة، هنا، رؤية الرائد، فما زالت اللافتة القديمة التي خطّها بيده على بوابة النادي، تثير في الأجيال اللاحقة، الإحساس الحقيقي لتواصلها الحتمي الجميل.. ستكون مشاركته هنا، باقة ورد لنا جميعاً.

أبي لم يكن مزارعاً، كان يعمل كنّاساً في القرية مع المرحوم "شحاته" "من عمارة" وتحت إشراف جمال علي خليل، ولاحقاً فؤاد عبد الرحيم، من عمارة أيضاً. ولذا كنت أقضي أوقات الفراغ في مساعدة أصدقائي، ومنهم " خليل مسكة" " وعبده سلامة" وزوج خالتي محمد خليل سورته.. واكتسبت كثيرا من الخبرة وحب جارف للأرض والنبات حين يضجّ بالحياة ويلوّن الحقول بالخضرة اليانعة.. وبرغم أن فناني وشعراء تلك المرحلة كانوا لا يرون في مهنة الزراعة سوي الفجيعة والذُل الدائم، وكان مخرجهم الباقي هو الهجرة إلى "مصر، أم الدنيا"، ولو كان بيدي الأمر كنت أقول لهم، أن السودان النوبي هو أب، وأم الدنيا الحقيقي بشهادة جلّ المؤرخين، في العالم. ياريت ،، مصر ما تمشي قدام لاستئصال المتبقي من أرضنا النوبية.. ياريت.

2 رد: مذكرات مكي على ادريس في الأربعاء نوفمبر 03, 2010 9:35 am

وقاص


مدير عام
كنا ضمن آخر الدفعات التي عاصرت مدرسة عبري الأولية القديمة، بعهد المدراء الأفاضل محمود/وحسن أحمد هاشم، من جزيرة صاي ، التي استحقت عن جدارة اسم "جزيرة المعلّمين" وقد افتتحت هذه المدرسة حوالي عام 1908م، ولأستاذي الفاضل محمد حسن صابونه، متّعه الله بالصحة والعافية، دائرة موثّقة عن تأريخ التعليم في المنطقة، كأحد أركانه المدققين، ويبقى الأمل قائماً هنا لمساهماته المقدرة في هذا الحقل الهام.

كما أنتظر قلم صديقي الأستاذ أنور محمدين، لتوثيق مراحل التعليم في المحس وهو بلا أدنى شكّ من العارفين في هذا المجال...

عاصرنا العم علي عبد الله "على فرحة"، وهو من رجال قرية عبري المرحين، وكان يعمل طباخاً في المدرسة الإبتدائية المحاذية للمدرسة الأولية، ذلك الطبّاخ الماهر الذي يدين له، لحم أكتافنا وآلاف الطلاب الذين تلقوا تعليمهم في تلك المدرسة العريقة، عم علي فرحة، الذي طالما شنّف آذان مجتمع عبري الواسع بمقولته الشهيرة،في طقوس الأفراح " يلّه يا ولد، المِيّة هات والصواني شيل"، وهو يوزع ابتساماته، قبل تقديم " اليخني" وملاح " الإتّر دسّي، وسلطة الكلانج، المطعّم بنكهة الجروف، وياسمين العطور النفّاذة، كان الرجل فاكهة مجالس بحقّ. كما عاصرنا العم مرسى فرح من عمارة، وكان رئيس طباخي المدرسة الأولية، ولا زالت نكهة العدس والفول وعسل القصب وروائح الكسرة النفاذة تظلل ردهات الذاكرة، أما العوّاسات" الزلال، حليمة الدنقلاوية، فاطنه جاره، وحسونة قبيلة، وانتهاءً ب بابه سعيدة، "يا جماعة الخير ذكروني"، فقد كنّ بمثابة أمّهات حقيقيات، ولا تعليق،

الذي ينسى الرجل الإنسان، إبراهيم طه، معلّم الخلوة الرصين،في عبرنكونج يكون قد أجحف في حق الرجل، الذي تذوّقنا على يديه طعم " الطعمية" وجمال الأسلوب التربوي الصادق، وهو الذي لم يمتلك شهادة مدرسية، أو شهادة تأهيل تربوي، شأن معظم معلّمي هذه الأيام.
أما الشيخ الورع، إمام جامع عبري، محمد أحمد نور، والشهير ب" محمد فقير" فقد كان أول من افتتح خلوة متطوّرة في عبري، تدرس فيها أسس اللغة العربية ومبادئ الحساب،إلى جانب علوم الفقه والتوحيد، وتسمّى " الكُتّاب"، وهي مرحلة سابقة للمدارس الصُغري، والمرحلة الأولية ذات الدعم الحكومي الصريح..
للأستاذ يوسف صابونه، دور سابق في تعليم أبناء عبري، من خلال افتتاحه للخلوة التي اختتمت بعهد شقيقه الراحل " حسن أحمد صابونه، رحمه الله،((همسة)).... وهو عرّابي الأول في إجادة لغة الضاد....
أمّا ......
هذا اليوسف صابونة، فهو نمط فريد من الأساتذة الذين علّموني معنى النضال، المرونة، الصبر، المثابرة من أجل هدف نبيل، مهما كان بعيد المنال،،، حبّب إلى مهنة التدريس فسلكت طريقه، كما علّمني كيف أحب عبري في ثياب النوبية، ثم أنه، وبحنكة المعلّم وعمق تقصّيه، لمواهب تلاميذه، علّمني كيف أمسك بالفرشاة وأرسم عالمي الآخر وزوّدني في تلك السنوات المبكرة بالألوان والأدوات اللازمة للرسم، ولكن الأستاذ عبد الكريم فرح عباس، أيضا، علّمني كيف اصنع محرابي الخاص وصومعتي، علّمني كيف أضع جداراً سميكاً بيني وبين عالم الناس المحتشد، وأتفرغ لأشيائي الصغيرة، كنت أجده يرسم في مدرسة عبري الإبتدائية في حجرة شبه مظلمة، وسط هالات مدهشة من خيوط دخان القمشة... وكان جوّه شاعرياً ... فأصابني بداء العزلة الحميمة.

لا بد من توثيق سيرة الأستاذ يوسف صابونة، شيخاً للخلوة ، ومعلّماّ بالمدارس الصغرى، ثم أستاذاً لأجيال عبري اللاحقة، ومناضلاً جسوراً بوجه عصابة عبود واغتيال مدينة وادي حلفا... ومنافحاً في قضايا السدود... متّعه الله بالصحة والعافية..

كما يوثق الأهالي بعبري للأستاذة "فاطمة أحمد الصافي" وشقيقتها فضل افتتاح أول فصول التعليم النسائي بعبري، عقب عودتهن من مصر، " ولا أذكر التاريخ تحديداً، وفي مرحلة لاحقة واظب الراحل محمد عبد الدائم " حاج اسماعيل" مشوار الخلاوى في عبري، والتي واكبت خلاوى تبج، وصاي، وبقية خلاوى سكوت المعروفة...

هل تمّ توثيق سيرة خلاوى النوبيين، الذين نقلوا أساس التعليم الديني لأجزاء كبيرة من السودان؟؟

لا يذكر الشيخ المؤدّب داؤود أحمد، إلاّ وتجري في عروقي النشوة والفخر، وينتابني إحساس عميق بالإلفة، فقد كان يشغل وظيفة شيخ قرية عبري، وتربطه بأسرتنا علائق وطيدة، لا تنفصم.

فإذا كان من بدٍّ لذكر أزمة المدرسة القديمة بينه وبين مواطني عبري، فإنّ طلاوة لسانه، وعمق تفهّم الأهالي لسلامة النسيج الاجتماعي لمجتمع عبري، ومشاركة أبناء المنطقة البررة في الخرطوم، لاحتواء الأزمة، جعلت الطريق ممهداً وبأريحية ملحوظة، لعودة الصفاء لقريتنا الناهضة..







الثانوية العامة التي ذهبت مع ريح المتغيرات التجريبية الآنية، وتوزّعت أجزاؤها بين مرحلة الأساس والثانوية العليا، أصبحت جزءاً من تعليم الأساس، بعد أن تمّ دمجها في المرحلة الأولية القديمة.. ولا ندري كيف حدث ذلك ولماذا؟ وبأي المسوّغات، إقتصادية كانت أو تربوية.

ولا أدري إلى أي حدٍ كان أستاذنا الفاضل محمد أحمد خاطر " شيخ خاطر"، صادقاً، حين وقف مهيباً أمامنا في "سنة أولي" وأثلج قلوبنا الصغيرة بكلام مشجّع بدرجة عالية، قال بالحرف الواحد:-
خلاص من النهار ده مستقبلكم بقى مضمون،
وصدّقنا كلامه يومئذٍ، وبعد يومئذٍ بقليل، لأنه كان يشير إلى ذلك العهد الذي،كان الخرّيج فيه يجد فرصته في التوظيف المضمون، ولو لم يكن فورياً، وفي نهاية 2000م، تشرفت بزيارته في منزل ابنه الصديق بكري، بشرق الكلاكلة الوحدة، وكان حديد الذاكرة، برغم أمراض الكهولة، فلمّا كان دائم السؤال عن التعليم ، وقد أفنى فيه جُلّ عمره، قال في معرض استرساله، أنه فقط مندهش... وعقّب صامتاً في حسرة، ففهمت ما كان يعنيه تماماً.
لا شيء، جدير بالذكر عن تلك المرحلة،إلاّ تلك النشوة التي كانت تعترينا ونحن نرطن الإنجليزية بغباء، فننتفخ كالديك حين تواتينا فرصة إطلاق كلمة إنجليزية في مكان عام، أذكر أنني كنت أضع قلم "تروبن" في جيب الساعة، وجدته ذات يوم في الطريق العام، وكان لهذا القلم أهمية كبري في تحديد مدى ثقافة ورفعة الشخص، كما كانت بقعة الحبر المدرسي المائل للأخضر الداكن، في جيب الصدر، دلالة على التحاق المرء بالمدرسة، وهي شهادة مهمّة، وقد كان بعض أفراد الفاقد التربوي ممن لم يجدوا خانة في المدارس، يلجأون لحيلة الحبر في جيب الساعة!!!!

كان المدير، من أبناء حلفا، واسمه عوّاض، ولم نحاول البحث عن اسم أبيه، فقد كانت له شخصية نارية ومرعبة، رغم قصر طوله و هدوء عباراته، وجاء بعده المدير الجديد، كان اسمه محجوب محمد أحمد، ومن مدينة وادي حلفا، أيضا، ولكن محجوب الأخير كان له شنب كثيف، وأضعف بنية، وكان قليل الهزل صارماً حدّ الصرامة، كنا نرى عالم المدرّسين، هالة كبيرة لم يفلح الزمن في محوها، وكانت قلوبنا الصغيرة تفهم جيداً ذلك الفرق العميق بين الرهبة والاحترام..

كان المدرس، الأستاذ، المعلّم، وفي مرحلة سابقة كان يطلق عليه الشيخ، شخصية هامة في القرية، فقد كان في منتصف القرن العشرين، يقوم بأدوار كبيرة، كان إماماً يؤمّهم في الصلاة، ومأذوناً يوثّق عقود النكاح "الزواج"،وكاتم أسرارهم، ثمّ هو الطبيب المعالج بالأعشاب وبعض العلاج بالآيات القرآنية، وهو موثق العقود، والمؤتمن الذي يحفظ ما استؤمن عليه، ولا يخلو مجلسٌ للأجاويد منه، .... الخ، ولكنه ظلّ يعاني ويعاني، ولا من بؤرة ضوء تُلوّن دروب آماله المتضائلة.

الآن أصبحت أشعر بأني مشروع" إنسان" ، بدا ذلك من تغيّر سلوك الآخرين تجاهي، لقد أصبحت شخصاً محترماً، بعد أن أخذت مقعدي في الفصل الأول، بالمدرسة " الوسطى"،بجانب نجم الدين خليل حسين من عبود، وكان خطّاطاً بارعاً، وفي تلك السّن الغريرة، بدا اهتمامي بالخلوة، أصبحت أحادث نفسي أكثر، ولما غرق شقيقي الصغير" مبارك" في جدول مشروع عبري، كنت قد أعددت راكوبة صغيرة من أخشاب الفلنكة المجلوبة من وادي حلفا الغريقة، وجلست هناك أكتب أول مرثية لشقيقي الصغير وأنا أبكي... " الآن لا أدري أين ذهبت تلك المرثية"، وبدأت مرحلة اهتمامي بشكلي، وانتبهت إلى سواد وجهي...زنوجتي.... فأحببت زنجية .. وكانت نوبية..

سأذكر من الأساتذة الأجلاء الذين استماتوا في تعليمنا آنئذٍ، الأستاذ علي شعيب، الأستاذ جودة، الأستاذ بيرم، الأستاذ شوقي حمزة، الأستاذ عبد العزيز شوربجي، الأستاذ الراحل محمد إبراهيم عثمان، الأستاذ فرح سمل، والأستاذ عوّاض، وآخرون عددا، تسربلوا من الذاكرة.. ولا أنساهم.

حوالي عام 1964م،(؟؟) جاء الفنان محمد وردي إلى مسرح مدرستنا، أثناء تجواله مع الأستاذ المحامي حسن عبد الماجد،أتمّ الله شفاءه، في حملة انتخابية، فاز فيها الدكتور محي الدين صابر رحمه الله. كان أكثر ما أثار فضولي في تلك الليلة، طلاوة صوت وردي،والذي أراه لأول مرة، وسط تهليل الجماهير وزغاريد النسوة، فأصبت بالنشوة. كنت أستمتع بصوت الفنان حسين ألالا، ولكن صوت وردي كان أعذب رنيناً وأقدر تطريباً، وقد رافقه في تلك الرحلة الأستاذ الكبير على ميرغني، وأحمد بريس، وآخرون لا أذكرهم،






وفي تلك السنوات، أعاد الفنان وردي زيارته في ذات المدرسة، وفي حفل مدرسي كبير حضره كل أهل القرية، وقفت لأول مرة على خشبة المسرح، مع الأخ خيري أحمد خيري، من أرض الحجر وشقيق الفنان محمود أحمد خيري، وقفنا نقدم وصلة موسيقية بالصفارة المعدنية، ونلنا إعجاب الحضور، وفي صباح اليوم التالي قدّم لي عبد العزيز حسن محجوب " عصفور"، صفارة من الأبنوس بعد أن أثنى على أدائنا،، وظل عصفور يقدم لشخصي الدعم الغير محدود، حتى بعد التحاقي بمعهد الموسيقى والمسرح..

لا تخلو الذاكرة من بعض الشخوص الذين كنا ننبهر بأحجامهم وبراعتهم في كرة القدم، ففي مدرسة عبري الوسطى، اذكر محي الدين جلال، علي زيادة، محمد عبد اللطيف، بكري مصطفى، جيلي مصطفى، ماهر يسن، وكانوا جميعاً في الفصول المتقدمة، ولهم إسهاماتهم الرياضية والثقافية...

أذكر بأواخر خمسينات القرن الماضي، حفلة عامة في مدرسة عبري القديمة،كنا نسميها "رواية"، ففي تلك السنوات البعيدة ظهرت في عبري نواة ثقافية فريدة، وكان المسرح عاجّاً بالهزليات والمنولوجات.... ولكن الشيء المتفرد كان مسرحيات شكسبير " الملك لير، تاجر البندقية" وغيرها التي قدّمها طلاب عبري في الثانويات، وادي سيدنا ،حنتوب،وخور طقّت، ومنهم فيصل فتحي توفيق، محمد علي خاطر، فرح مرسي فرح، شوقي محمد على، وبعض طلاب تبج الذين لا استحضر أسماءهم، ولفيف من شباب ورجال عبري الذين أثروا مسارح عبري بإبداعاتهم، ومنهم الأستاذ يوسف صابونة، عبده رجب، أحمد عز الدين،حسن محمد فضل، محمد عثمان داؤود، والهزلي المطبوع الراحل محمد محي الدين، وعبد العزيز المصري، وإبراهيم حسن المصري، وكان المسرح لا يستقيم إلاّ بظهور الشاعر الكبير عبد الرحيم كدودة "تلودي".

أما آن الوقت لنشر أعمال الشاعر كدودة؟؟؟؟؟؟؟؟،

سأعود لتقييم النشاط المسرحي في السكّوت في وقت لاحق، وفي عبري بصفة خاصّة..

للمجتمع النوبي آلياته ووسائله الخاصة لحماية أفراده، من الأغراب ومهدّدات الحياة في البيئة الصحراوية، ومخاطر الغرق في النيل، فقد ابتدع الوعي الجمعي عدة وسائل لذلك، مثل الحيوان الأسطوري الذي يسمّى " أمن دالا"، والذي يقال أنه يتخفّى فوق النخيل البالغة الطول، ويقوم بامتصاص دماء الأطفال من أنوفهم، وحيوان "الدوقور" الذي يظهر مع فيضان النيل، بعد أن يقطع رحلته الطويلة من جزيرة "ناوا"، بلد السحاحير كما هو شائع، أما سكّان الصحارى الموحشة وروّادها الذين يخطفون الأطفال إلى بلاد بعيدة، فيسمونهم " كبّاشي"، أو " ودّ الهندي"، كما برع الوعي الجمعي في اختيار أماكن معينة ووصفها بأنها مسكونة بمردة الشياطين، ذوي الحوافر التي تشبه حوافر الحمير..

وكل ذلك –في رأيي- لحماية أفراد المجتمع الصغار من التهلكة في الصحراء أو الغرق في النيل، والابتعاد من أماكن بعينها تكثر فيها دواب الأرض من عقارب وثعابين..

البعض ممّن جاءت بهم الدروب، وظهروا في ذلك المجتمع الصغير، من نساء ورجال، ربّما كان قد أصابهم المسّ وبعض المجاذيب، ولكنهم أكّدوا حضوراً مؤثراً بذاكرة العوام، ، وأذكر " حليمة سونقي"، تلك المرأة التي لم أشاهدها إلاّ في عبري، برغم ارتباط اسمها بإحدى قرى عكاشة، كانت سوداء اللون ، وسط القامة، مجنونة، ولكنها لم تمارس العنف إلاّ مع الأطفال المشاغبين، وقصصها لا تنتهي... من الأشخاص المجاذيب، الزاهد " سعيد كوبودّي"، والذي كان يأتي إلى القرية بطريقه إلى حلفا، في رعاية سائقي اللواري التجارية، وكان شديد التديّن، وتُحكى عنه كرامات غير مرصودة، أمّا الزاهد " ودّ إبراهيم" فقد كان في سفر دائم، على ظهور اللواري طيلة العام، وكان قليل الكلام، هادئ الطبع، كذلك جاء "جبارة" من تخوم المحس، كان بديناً، أسود اللون، يعاني دوماً من جرح لا يندمل في ساقه اليسرى المعوّقة، أمّا المادح المحسي المرح "أب ديل"،فسوف أسرد بعض حكاويه المرحة لاحقاً....



.... لم أر في حياتي أشجع من امرئ يبتسم بوجه مخاوف الحياة،وتقلباتها المريبة، فالابتسامة البريئة تعبّر عن كامل قناعة الإنسان وقبوله بما يجري حوله، والتسليم الكامل بنصيبه الملموس في تلك اللحظة....

اضحك تضحك الدنيا معك، وإلاّ فابك وحدك...

ولكننا الآن في شمال السودان نبكي ونضحك في آن واحد، وما عدنا ندري أهو ضحك البكاء أم بكاء الضحك... " همسة" لا بد من التفريق بين الضحك والابتسام، فقد يعبّر الضحك عن التّهكّم والسخرية، ومعاني أخرى متباينة، بينما الابتسامة تعبّر عن ردّ فعل تقريري مستوجب الإفصاح.

في اللغة النوبية نجد كلمة " قورّ " بمعنى يفرح، بتشديد الرّاء، ويتكوّن من مقطعين هما ( قو = القلب) و (اورّ = يشتعل، يبتهج) والمعنى العام هو (ابتهاج القلب(...

ويقولون " الضحك من غير سبب، قلّة أدب" وهذا قول متعسّف يختصر كل مكنونات النفس في جدلية التعامل الجمعي، ويرمي إلى إخضاع نوازع الفرد تحت طائلة التأدب أمام الآخر.... وهو قول تنقصه الدقّة تماماً كمقولة " الصبر طيب"، وأزعم بأن الصبر ليس طيباً في كل الأحيان....

فها نحن في رحاب الأزمنة الخربة، اختلط حابل ضحكنا بنابل بكائنا المتصل على صيرورتنا وبقائنا فوق أرض أجدادنا......

حين قرأت وصف الباحث الألماني آرثر سايمون للإقليم النوبي، في معرض تقديمه لدراسته المستفيضة عن فن الغناء الشعبي النوبي....
حوالي 1973م، من القرن الماضي... عرفت الإقليم النوبي جغرافياً وموسيقياً بعيون محايدة، فقد وصف الإقليم النوبي وصفاً اتسم بالجفاف، بعيون أوربية، وقد علّمني ذلك أهمية التجرّد والحيادية في إطلاق الأحكام، عن البيئة والثقافة والتاريخ النوبي، بعيداً عن الانبهار وتجلية الذات..

حين تنقلني الذاكرة إلى أواخر ستينات القرن العشرين، تأكلني الحسرة، فقد كان الإقليم النوبي ضمن قائمة مناطق "الشّدةّ" في الوطن السوداني الممتد، وكان موظفو الدولة يتطلّعون إلى حوافز إضافية لتنفيذ أمر " النقل " لمناطق الشدة، وهي المناطق البعيدة عن الحضر،والمدن التي لا تنام مصابيحها، وبما أن فرص التعليم كانت متاحة للنوبيين قبل غيرهم من السودانيين بحكم احتكاكهم بمصر، فقد انتشر " المدرس النوبي " في كل أنحاء السودان، وكانت له الريادية التي لا ينكرها عليه أحد، ولعلّ المجال هنا لا يسمح بذكرهم جميعاً، غير أن البعض الذي بلغ ذروة الشهرة، يجعلنا نذكر : الأساتذة
" بدون ترتيب"
عبد اللطيف عبد الرحمن، وهو من الروّاد ، وله إسهاماته الشعرية، والأستاذ عبد العزيز حسن علي، الأستاذ سعد الدين في صواردة، والشيخ محمد أحمد خاطر، والأستاذ عبد المجيد عبد الرحمن، والأستاذ فضل عثمان، الأستاذ عثمان دياب، الأستاذ شرف الدين محمد شريف،,,, ورصفاءهم ، لأن القائمة تطول، والذاكرة لا تسعف..

هذه الريادية في التعليم، ساهمت في انتشار التعليم في الإقليم النوبي بشكل واسع، كما ساهم انتشار كوادرهم في سلك التعليم بأنحاء السودان، في ظهور جيل من " أبناء الأفندية" الذين حرموا من التزود بمعطيات البيئة النوبية، وفقدوا فرصة التحدث باللغة النوبية. ولكنهم اكتسبوا ثقافات المناطق التي عاشوا فيها، وكانوا مصدر إشعاع لرصفائهم بالبلد.

لا بد من ذكر تلك الحرب الشعواء التي أعلنتها الثقافة الرسمية بالمركز، ضد كل اللغات الغير عربية، بمسوغات عرجاء تقول " بأن التحدّث بالنوبية، تخدش سلاسة اكتساب اللغة العربية الفصيحة، في وقت تؤكد فيه الدراسات التربوية، قدرة الطفل على استيعاب أكثر من لغة وإجادتها، والمؤسف أن المدرس النوبي ساهم في تلك الحرب الخاسرة، بابتداع وسائل عدّة منها" الجلد كل صباح" لكل من سوّلت له نفسه بالتحدث بالنوبية في ساحة المدرسة، " بل في خارجها"!!!!!

كان لي شرف إبطال تلك العادة البغيضة بمدرسة عبري الإبتدائية، بأوائل السبعينات، وبمساعد الأساتذة يوسف صابونة والأستاذ محمد عبد الرحيم بيك.

هل أذكّركم بالمستوى المشرف الذي كان يحققه الطلاب النوبيين في الجامعات والمعاهد السودانية في تلك السنوات؟ لا لن أقول حتى لا يصاب البعض بالاحباط ، وحتى لا يصفني البعض بالانتماء إلى الصهيونية والماسونية,وال.. وال..شيوعية، على قول الشاعر الإنساني الثائر محمد حسن سالم حمّيد..
رحم الله الشاعر المرموق، والدكتور الجامع، والوزير المفوّض لقلب طاولة التعليم في السودان بعهد أبونا نميري.. الدكتور محي الدين صابر... الذي ابتدع شكلاً غبياً من أشكال نظام التعليم المصري، وأسقطه على النموذج الإنجليزي المهجّن، وحرم أجيالنا من نظام التدريس باللغة الإنجليزية منذ سنوات التعليم الأولى في التعليم الأوسط.... واليوم نجد أرقى المدارس الخاصة في الوطن العربي تنتهج التدريس باللغة الإنجليزية، كلغة عصر الفضائيات..!!

حين تم إعلان نجاحنا إلى الثانوية العليا، بواسطة الإذاعة، في منتصف الستينات، كنا رفقة: عيدروس محمد محي الدين، عبد الفتاح محمد حسن " خرَج"، محمد حسن طه شريف " الشيطان" مصطفى محمد توفيق، وآخرون من شمال السكوت، سري محمد عثمان، محمد عبد الرحمن عبد العزيز ، نصر حسين، ميرغني محمد صالح، ومن صاي: محمد أحمد خيري، سيد محمد علي، صلاح محمد عثمان، فتحي اسماعيل، محمد مصطفى عبد الرحمن، ومن نلوتي حسن توفيق حسن، وآخرون

وأنزلنا رحالنا في مدينة دنقلا الثانوية العليا... 1966م

كانت تلك أول مرة نخرج فيها من عبري، وكانت دنقلا في نظرنا "أم المدائن" حيث دور السينما، والازدحام والتمسّح باللغة العربية، وتأسيس الذات.. والخروج من قواقع الصبا إلى رحاب صناعة المستقبل...
مدينة دنقلا، حديثة التكوين، تأسست في مرحلة التركية، كما يقول بعض أهلها، ويذهب البعض إلى أن " دنقلا العرضي" جاءت من وجود "اورطة تركية" عسكرية، ولكن اللغة النوبية تذهب إلى أن معنى " عرضي" هو أرض الملك، أي ضيعة ملك دنقلا.. كما في "اوربي".

أزعم أن معنى كلمة دنقلا هي (أرض المُلك)، أي العاصمة، حيث أن "دو" تعنى مملكة، كما في اسم "عدو" بجزيرة صاي والتي تعني " المملكة الرئيسة"، أو العاصمة لدولة " دوتاو" والتي كانت عاصمتها جزيرة صاي..

من نواحي دنقلا كانت المراكب الشراعية الضخمة تمخر عباب نهر النيل إلى الحدود المصرية بعد عبور شلالات عمكة، قبل وبعد ظهور اللواري التجارية، ولا زالت بقاياها تستريح في مرافئ المدينة، بعد أن ذهبت شكيمتها، وكانت في الأزمنة البعيدة تسيطر على سدة الملاحة بين كريمة – دنقلا- حلفا،

أكثر ما يلفت انتباه الزائر إلى مدينة دنقلا، جزيرة المساكين التي تقبع قرب الشاطئ الممتد بين المجلس القديم والمدرسة الثانوية العليا للبنات.. وهي جزيرة عامرة بالمزارعين والحيوانات الأليفة، والخضرة اليانعة.

كنا ضمن آخر الدفعات التي عاصرت مدرسة عبري الأولية القديمة، بعهد المدراء الأفاضل محمود/وحسن أحمد هاشم، من جزيرة صاي ، التي استحقت عن جدارة اسم "جزيرة المعلّمين" وقد افتتحت هذه المدرسة حوالي عام 1908م، ولأستاذي الفاضل محمد حسن صابونه، متّعه الله بالصحة والعافية، دائرة موثّقة عن تأريخ التعليم في المنطقة، كأحد أركانه المدققين، ويبقى الأمل قائماً هنا لمساهماته المقدرة في هذا الحقل الهام.

كما أنتظر قلم صديقي الأستاذ أنور محمدين، لتوثيق مراحل التعليم في المحس وهو بلا أدنى شكّ من العارفين في هذا المجال...

عاصرنا العم علي عبد الله "على فرحة"، وهو من رجال قرية عبري المرحين، وكان يعمل طباخاً في المدرسة الإبتدائية المحاذية للمدرسة الأولية، ذلك الطبّاخ الماهر الذي يدين له، لحم أكتافنا وآلاف الطلاب الذين تلقوا تعليمهم في تلك المدرسة العريقة، عم علي فرحة، الذي طالما شنّف آذان مجتمع عبري الواسع بمقولته الشهيرة،في طقوس الأفراح " يلّه يا ولد، المِيّة هات والصواني شيل"، وهو يوزع ابتساماته، قبل تقديم " اليخني" وملاح " الإتّر دسّي، وسلطة الكلانج، المطعّم بنكهة الجروف، وياسمين العطور النفّاذة، كان الرجل فاكهة مجالس بحقّ. كما عاصرنا العم مرسى فرح من عمارة، وكان رئيس طباخي المدرسة الأولية، ولا زالت نكهة العدس والفول وعسل القصب وروائح الكسرة النفاذة تظلل ردهات الذاكرة، أما العوّاسات" الزلال، حليمة الدنقلاوية، فاطنه جاره، وحسونة قبيلة، وانتهاءً ب بابه سعيدة، "يا جماعة الخير ذكروني"، فقد كنّ بمثابة أمّهات حقيقيات، ولا تعليق،

الذي ينسى الرجل الإنسان، إبراهيم طه، معلّم الخلوة الرصين،في عبرنكونج يكون قد أجحف في حق الرجل، الذي تذوّقنا على يديه طعم " الطعمية" وجمال الأسلوب التربوي الصادق، وهو الذي لم يمتلك شهادة مدرسية، أو شهادة تأهيل تربوي، شأن معظم معلّمي هذه الأيام.
أما الشيخ الورع، إمام جامع عبري، محمد أحمد نور، والشهير ب" محمد فقير" فقد كان أول من افتتح خلوة متطوّرة في عبري، تدرس فيها أسس اللغة العربية ومبادئ الحساب،إلى جانب علوم الفقه والتوحيد، وتسمّى " الكُتّاب"، وهي مرحلة سابقة للمدارس الصُغري، والمرحلة الأولية ذات الدعم الحكومي الصريح..
للأستاذ يوسف صابونه، دور سابق في تعليم أبناء عبري، من خلال افتتاحه للخلوة التي اختتمت بعهد شقيقه الراحل " حسن أحمد صابونه، رحمه الله،((همسة)).... وهو عرّابي الأول في إجادة لغة الضاد....
أمّا ......
هذا اليوسف صابونة، فهو نمط فريد من الأساتذة الذين علّموني معنى النضال، المرونة، الصبر، المثابرة من أجل هدف نبيل، مهما كان بعيد المنال،،، حبّب إلى مهنة التدريس فسلكت طريقه، كما علّمني كيف أحب عبري في ثياب النوبية، ثم أنه، وبحنكة المعلّم وعمق تقصّيه، لمواهب تلاميذه، علّمني كيف أمسك بالفرشاة وأرسم عالمي الآخر وزوّدني في تلك السنوات المبكرة بالألوان والأدوات اللازمة للرسم، ولكن الأستاذ عبد الكريم فرح عباس، أيضا، علّمني كيف اصنع محرابي الخاص وصومعتي، علّمني كيف أضع جداراً سميكاً بيني وبين عالم الناس المحتشد، وأتفرغ لأشيائي الصغيرة، كنت أجده يرسم في مدرسة عبري الإبتدائية في حجرة شبه مظلمة، وسط هالات مدهشة من خيوط دخان القمشة... وكان جوّه شاعرياً ... فأصابني بداء العزلة الحميمة.

لا بد من توثيق سيرة الأستاذ يوسف صابونة، شيخاً للخلوة ، ومعلّماّ بالمدارس الصغرى، ثم أستاذاً لأجيال عبري اللاحقة، ومناضلاً جسوراً بوجه عصابة عبود واغتيال مدينة وادي حلفا... ومنافحاً في قضايا السدود... متّعه الله بالصحة والعافية..

كما يوثق الأهالي بعبري للأستاذة "فاطمة أحمد الصافي" وشقيقتها فضل افتتاح أول فصول التعليم النسائي بعبري، عقب عودتهن من مصر، " ولا أذكر التاريخ تحديداً، وفي مرحلة لاحقة واظب الراحل محمد عبد الدائم " حاج اسماعيل" مشوار الخلاوى في عبري، والتي واكبت خلاوى تبج، وصاي، وبقية خلاوى سكوت المعروفة...

هل تمّ توثيق سيرة خلاوى النوبيين، الذين نقلوا أساس التعليم الديني لأجزاء كبيرة من السودان؟؟

لا يذكر الشيخ المؤدّب داؤود أحمد، إلاّ وتجري في عروقي النشوة والفخر، وينتابني إحساس عميق بالإلفة، فقد كان يشغل وظيفة شيخ قرية عبري، وتربطه بأسرتنا علائق وطيدة، لا تنفصم.

فإذا كان من بدٍّ لذكر أزمة المدرسة القديمة بينه وبين مواطني عبري، فإنّ طلاوة لسانه، وعمق تفهّم الأهالي لسلامة النسيج الاجتماعي لمجتمع عبري، ومشاركة أبناء المنطقة البررة في الخرطوم، لاحتواء الأزمة، جعلت الطريق ممهداً وبأريحية ملحوظة، لعودة الصفاء لقريتنا الناهضة

3 رد: مذكرات مكي على ادريس في الأربعاء نوفمبر 03, 2010 9:39 am

وقاص


مدير عام
الثانوية العامة التي ذهبت مع ريح المتغيرات التجريبية الآنية، وتوزّعت أجزاؤها بين مرحلة الأساس والثانوية العليا، أصبحت جزءاً من تعليم الأساس، بعد أن تمّ دمجها في المرحلة الأولية القديمة.. ولا ندري كيف حدث ذلك ولماذا؟ وبأي المسوّغات، إقتصادية كانت أو تربوية.

ولا أدري إلى أي حدٍ كان أستاذنا الفاضل محمد أحمد خاطر " شيخ خاطر"، صادقاً، حين وقف مهيباً أمامنا في "سنة أولي" وأثلج قلوبنا الصغيرة بكلام مشجّع بدرجة عالية، قال بالحرف الواحد:-
خلاص من النهار ده مستقبلكم بقى مضمون،
وصدّقنا كلامه يومئذٍ، وبعد يومئذٍ بقليل، لأنه كان يشير إلى ذلك العهد الذي،كان الخرّيج فيه يجد فرصته في التوظيف المضمون، ولو لم يكن فورياً، وفي نهاية 2000م، تشرفت بزيارته في منزل ابنه الصديق بكري، بشرق الكلاكلة الوحدة، وكان حديد الذاكرة، برغم أمراض الكهولة، فلمّا كان دائم السؤال عن التعليم ، وقد أفنى فيه جُلّ عمره، قال في معرض استرساله، أنه فقط مندهش... وعقّب صامتاً في حسرة، ففهمت ما كان يعنيه تماماً.
لا شيء، جدير بالذكر عن تلك المرحلة،إلاّ تلك النشوة التي كانت تعترينا ونحن نرطن الإنجليزية بغباء، فننتفخ كالديك حين تواتينا فرصة إطلاق كلمة إنجليزية في مكان عام، أذكر أنني كنت أضع قلم "تروبن" في جيب الساعة، وجدته ذات يوم في الطريق العام، وكان لهذا القلم أهمية كبري في تحديد مدى ثقافة ورفعة الشخص، كما كانت بقعة الحبر المدرسي المائل للأخضر الداكن، في جيب الصدر، دلالة على التحاق المرء بالمدرسة، وهي شهادة مهمّة، وقد كان بعض أفراد الفاقد التربوي ممن لم يجدوا خانة في المدارس، يلجأون لحيلة الحبر في جيب الساعة!!!!

كان المدير، من أبناء حلفا، واسمه عوّاض، ولم نحاول البحث عن اسم أبيه، فقد كانت له شخصية نارية ومرعبة، رغم قصر طوله و هدوء عباراته، وجاء بعده المدير الجديد، كان اسمه محجوب محمد أحمد، ومن مدينة وادي حلفا، أيضا، ولكن محجوب الأخير كان له شنب كثيف، وأضعف بنية، وكان قليل الهزل صارماً حدّ الصرامة، كنا نرى عالم المدرّسين، هالة كبيرة لم يفلح الزمن في محوها، وكانت قلوبنا الصغيرة تفهم جيداً ذلك الفرق العميق بين الرهبة والاحترام..

كان المدرس، الأستاذ، المعلّم، وفي مرحلة سابقة كان يطلق عليه الشيخ، شخصية هامة في القرية، فقد كان في منتصف القرن العشرين، يقوم بأدوار كبيرة، كان إماماً يؤمّهم في الصلاة، ومأذوناً يوثّق عقود النكاح "الزواج"،وكاتم أسرارهم، ثمّ هو الطبيب المعالج بالأعشاب وبعض العلاج بالآيات القرآنية، وهو موثق العقود، والمؤتمن الذي يحفظ ما استؤمن عليه، ولا يخلو مجلسٌ للأجاويد منه، .... الخ، ولكنه ظلّ يعاني ويعاني، ولا من بؤرة ضوء تُلوّن دروب آماله المتضائلة.

الآن أصبحت أشعر بأني مشروع" إنسان" ، بدا ذلك من تغيّر سلوك الآخرين تجاهي، لقد أصبحت شخصاً محترماً، بعد أن أخذت مقعدي في الفصل الأول، بالمدرسة " الوسطى"،بجانب نجم الدين خليل حسين من عبود، وكان خطّاطاً بارعاً، وفي تلك السّن الغريرة، بدا اهتمامي بالخلوة، أصبحت أحادث نفسي أكثر، ولما غرق شقيقي الصغير" مبارك" في جدول مشروع عبري، كنت قد أعددت راكوبة صغيرة من أخشاب الفلنكة المجلوبة من وادي حلفا الغريقة، وجلست هناك أكتب أول مرثية لشقيقي الصغير وأنا أبكي... " الآن لا أدري أين ذهبت تلك المرثية"، وبدأت مرحلة اهتمامي بشكلي، وانتبهت إلى سواد وجهي...زنوجتي.... فأحببت زنجية .. وكانت نوبية..

سأذكر من الأساتذة الأجلاء الذين استماتوا في تعليمنا آنئذٍ، الأستاذ علي شعيب، الأستاذ جودة، الأستاذ بيرم، الأستاذ شوقي حمزة، الأستاذ عبد العزيز شوربجي، الأستاذ الراحل محمد إبراهيم عثمان، الأستاذ فرح سمل، والأستاذ عوّاض، وآخرون عددا، تسربلوا من الذاكرة.. ولا أنساهم.

حوالي عام 1964م،(؟؟) جاء الفنان محمد وردي إلى مسرح مدرستنا، أثناء تجواله مع الأستاذ المحامي حسن عبد الماجد،أتمّ الله شفاءه، في حملة انتخابية، فاز فيها الدكتور محي الدين صابر رحمه الله. كان أكثر ما أثار فضولي في تلك الليلة، طلاوة صوت وردي،والذي أراه لأول مرة، وسط تهليل الجماهير وزغاريد النسوة، فأصبت بالنشوة. كنت أستمتع بصوت الفنان حسين ألالا، ولكن صوت وردي كان أعذب رنيناً وأقدر تطريباً، وقد رافقه في تلك الرحلة الأستاذ الكبير على ميرغني، وأحمد بريس، وآخرون لا أذكرهم،


وفي تلك السنوات، أعاد الفنان وردي زيارته في ذات المدرسة، وفي حفل مدرسي كبير حضره كل أهل القرية، وقفت لأول مرة على خشبة المسرح، مع الأخ خيري أحمد خيري، من أرض الحجر وشقيق الفنان محمود أحمد خيري، وقفنا نقدم وصلة موسيقية بالصفارة المعدنية، ونلنا إعجاب الحضور، وفي صباح اليوم التالي قدّم لي عبد العزيز حسن محجوب " عصفور"، صفارة من الأبنوس بعد أن أثنى على أدائنا،، وظل عصفور يقدم لشخصي الدعم الغير محدود، حتى بعد التحاقي بمعهد الموسيقى والمسرح..

لا تخلو الذاكرة من بعض الشخوص الذين كنا ننبهر بأحجامهم وبراعتهم في كرة القدم، ففي مدرسة عبري الوسطى، اذكر محي الدين جلال، علي زيادة، محمد عبد اللطيف، بكري مصطفى، جيلي مصطفى، ماهر يسن، وكانوا جميعاً في الفصول المتقدمة، ولهم إسهاماتهم الرياضية والثقافية...

أذكر بأواخر خمسينات القرن الماضي، حفلة عامة في مدرسة عبري القديمة،كنا نسميها "رواية"، ففي تلك السنوات البعيدة ظهرت في عبري نواة ثقافية فريدة، وكان المسرح عاجّاً بالهزليات والمنولوجات.... ولكن الشيء المتفرد كان مسرحيات شكسبير " الملك لير، تاجر البندقية" وغيرها التي قدّمها طلاب عبري في الثانويات، وادي سيدنا ،حنتوب،وخور طقّت، ومنهم فيصل فتحي توفيق، محمد علي خاطر، فرح مرسي فرح، شوقي محمد على، وبعض طلاب تبج الذين لا استحضر أسماءهم، ولفيف من شباب ورجال عبري الذين أثروا مسارح عبري بإبداعاتهم، ومنهم الأستاذ يوسف صابونة، عبده رجب، أحمد عز الدين،حسن محمد فضل، محمد عثمان داؤود، والهزلي المطبوع الراحل محمد محي الدين، وعبد العزيز المصري، وإبراهيم حسن المصري، وكان المسرح لا يستقيم إلاّ بظهور الشاعر الكبير عبد الرحيم كدودة "تلودي".

أما آن الوقت لنشر أعمال الشاعر كدودة؟؟؟؟؟؟؟؟،

سأعود لتقييم النشاط المسرحي في السكّوت في وقت لاحق، وفي عبري بصفة خاصّة..

للمجتمع النوبي آلياته ووسائله الخاصة لحماية أفراده، من الأغراب ومهدّدات الحياة في البيئة الصحراوية، ومخاطر الغرق في النيل، فقد ابتدع الوعي الجمعي عدة وسائل لذلك، مثل الحيوان الأسطوري الذي يسمّى " أمن دالا"، والذي يقال أنه يتخفّى فوق النخيل البالغة الطول، ويقوم بامتصاص دماء الأطفال من أنوفهم، وحيوان "الدوقور" الذي يظهر مع فيضان النيل، بعد أن يقطع رحلته الطويلة من جزيرة "ناوا"، بلد السحاحير كما هو شائع، أما سكّان الصحارى الموحشة وروّادها الذين يخطفون الأطفال إلى بلاد بعيدة، فيسمونهم " كبّاشي"، أو " ودّ الهندي"، كما برع الوعي الجمعي في اختيار أماكن معينة ووصفها بأنها مسكونة بمردة الشياطين، ذوي الحوافر التي تشبه حوافر الحمير..

وكل ذلك –في رأيي- لحماية أفراد المجتمع الصغار من التهلكة في الصحراء أو الغرق في النيل، والابتعاد من أماكن بعينها تكثر فيها دواب الأرض من عقارب وثعابين..

البعض ممّن جاءت بهم الدروب، وظهروا في ذلك المجتمع الصغير، من نساء ورجال، ربّما كان قد أصابهم المسّ وبعض المجاذيب، ولكنهم أكّدوا حضوراً مؤثراً بذاكرة العوام، ، وأذكر " حليمة سونقي"، تلك المرأة التي لم أشاهدها إلاّ في عبري، برغم ارتباط اسمها بإحدى قرى عكاشة، كانت سوداء اللون ، وسط القامة، مجنونة، ولكنها لم تمارس العنف إلاّ مع الأطفال المشاغبين، وقصصها لا تنتهي... من الأشخاص المجاذيب، الزاهد " سعيد كوبودّي"، والذي كان يأتي إلى القرية بطريقه إلى حلفا، في رعاية سائقي اللواري التجارية، وكان شديد التديّن، وتُحكى عنه كرامات غير مرصودة، أمّا الزاهد " ودّ إبراهيم" فقد كان في سفر دائم، على ظهور اللواري طيلة العام، وكان قليل الكلام، هادئ الطبع، كذلك جاء "جبارة" من تخوم المحس، كان بديناً، أسود اللون، يعاني دوماً من جرح لا يندمل في ساقه اليسرى المعوّقة، أمّا المادح المحسي المرح "أب ديل"،فسوف أسرد بعض حكاويه المرحة لاحقاً....


دنقلا الثانوية

حين احتوتنا أسوار مدرسة دنقلا الثانوية العليا، كنت قد أسّست لنفسي وضعاً فنياً، على الأقل في أوساط الشباب القادم من مناطق المحس والسّكوت، من الطلاّب.
ولم أجد صعوبة في تقديم بعض أغنياتي النوبية، في ليالي الخميس بداخلية (عبد اللطيف العميري) وسط مدينة دنقلا، حيث كانت الداخليات مقسمة في بيوت إيجار عديدة، كان أفراد الكورس المصاحب لي:
** مصطفى محمد توفيق، وهو شقيق الفنان سيد محمد توفيق، الذي شهد له الفنان وردي باعتباره صوتاً متفرداً، والوحيد الذي أدّى أغاني وردي بالصورة التي أرضت وردي ، كما اعترف مؤخراً،، كما أن شقيقه فتحي محمد توفيق (فتّوح) امتلك صوتاً جذاباً، ولكنه كان مقّلاً،

** حسن عبد الغفور من جزيرة صاي، وهو إنسان محتشد بحب الغناء،

** عبد الحفيظ يسن،من أبناء المحس- فريق.. وله حس فني مرهف،

وكنا نقدم في تلك الأيام.. أغاني الفنان وردي (بلدينا)، وأغنية (ملاك)، وأغنية (سمار ايقا)، وهي أغنية محسية، لا أدري شيئاً عن مؤلفها، وأغنية (دوكا منجمي قدمقا) وهي ايضاً أغنية محسية من قرية "قرقود"، وأغنية (وو إركل آقجكو) من كلمات وألحان الراحل حسين لالا، وقد أهداها لي مشكوراً، في أول حفلة أشتركنا فيها بمسرح نادي عبري في منتصف الستينات، وقد أعطتني هذه الأغنية دفعاً إضافياً، ليس لكوني كنت مشروع فنان شاب، ولكنها كانت بمثابة (شهادة) سأظل أعتز بها من فنان قامة، كحسين لالا –رحمه الله- لم يجد (حتى الآن)، حظه من التوثيق اللائق..!! وأحمد الله أن الباحث النوبي والتشكيلي البارع فتحي عبد العزيز شدة، يحتفظ بالشيء الكثير من أعمال وسيرة الفنان حسين لالا، ويثلج صدري بعض المساعي الجارية من أبناء قرية "عبود" للقيام بتوثيق أعماله، في الرياض.. ولا أنسى الشاعر الباحث محمد عبد الوهاب عثمان ( آرتقاشه)، صاحب كتاب (ترف الزاهدين) الصادر حديثاً، ومساعيه الجادة في توثيق سيرة الفنان حسين لالا..

وعندما تم تكوين فرقة الفنون والمسرح، بالمدرسة، كنا نقدم أغانينا النوبية، إلى جانب الغناء العربي (الشايقي) و (أغاني الحقيبة)،من قبل طلاب من الشايقية ومنطقة القولد ودنقلا...

قمنا بنشاطات عديدة في حفلات المدرسة، ولكن أهم رحلة قمنا بها كانت إلى منطقة (أمنتقو) وجزيرة ناوه، واستضافنا المواطن الهميم ميرغني عمر عبد السلام في حديقته الشهيرة (فرجي)،

ثم واصلنا رحلتنا شمالاً إلى جزيرة بدين، كان الغرض الأساسي من الرحلة، دعم صندوق المدرسة مادياً، وربط المدرسة بالمجتمع المحلي..

وأذكر أن أحد الوزراء زار المدرسة، في تلك المرحلة، و لا أذكر اسمه، ولكننا احتفلنا به وقدمنا في حضرته مناشط الفرقة، بعد أن اكتسبنا خبرة واسعة على المسرح، ( في 1969م)، و كانت عروضنا مشرّفة، إلى درجة كبيرة، فقام السيد الوزير، بتقديم عرض مغري لفرقتنا لزيارة العاصمة، وتقديم عروضنا في الإذاعة والتلفزيون،

سافرنا إلى الخرطوم، وقمنا بتقديم أعمالنا في الإذاعة، أذكر أن الأستاذ عبد الله صالح – مدرس الفنون بالمدرسة- كان يشرف على الفرقة مع الأستاذ الكبير حسن الزبير (من جدي)، وقد قاما بمصاحبتنا إلى الخرطوم، وأشرفا على نشاطنا في الإذاعة والتلفزيون..

وفي المسرح القومي، قدمنا عرضاً كبيراً، في برنامج (تحت الأضواء)، تقديم الأستاذ حمدي بولاد، مع مجموعة كبيرة من فناني العاصمة، أذكر منهم، فرقة البلابل، الفنان عبد الكريم الكابلي، وثنائي العاصمة (السماني وإبراهيم(،

وفي تلك الليلة، صعدنا فوق أخشاب المسرح القومي لتقديم الوصلة النوبية،وكان الكورس يتكون من (مصطفى محمد توفيق- حسن عبد الغفور- عبد الحفيظ يسن)، بدأت الغناء بأغنية (نوقسنا) من أغنياتي الخاصة، ثم أغنية (وو إركل آقجكو) للفنان حسين لالا، وكنا بصدد إنهاء الوصلة بأغنية (بلدينا ) للفنان وردي، وبعد أن أدّيت الكوبليه الأول، سمعت صوتاً طروباً قوياً، يردد مع الكورس... وببلاهة نظرت إلى الوراء لأجد الفنان محمد وردي يقف بجانب مصطفى محمد توفيق......!!!

وجاء الفنان القامة، ووقف إلى يساري، وطلب مني مواصلة الغناء، بعد أن تبرّع لنا بعشرة دقائق من زمن وصلته القادمة... ثم شارك معي في الغناء...

كان الفرق شاسعاً بين أدائي وأدائه المتمكن القوي... ولكنه أصرّ على أن أقوم بإنهاء الوصلة ... ونفحني ببعض كلمات التشجيع.. قال لي ( صوتك جميل)... وظللت أجتر في سرّي والعلن، تلك الشهادة الغالية.. حتى صدّقت نفسي بأن صوتي جميل، طالما قالها وردي... الذي أعشق غناءه وتمرّده، منذ الطفولة... أيام كنا نستمع إلى الإذاعة (أغنية الليلة ياسمراء).. و(يا طير يا طائر(..

عدنا إلى المدرسة، وقد ازددنا طولاً وصلفاً..
ثم طوّحت بنا طموحاتنا، فافترقنا أيدي سبأ..





( مرحلة أغنية عديلة، سأوردها في المساهمة القادمة)
لعناية صديقي محمود عابدين وجملة القراء)


عندما عدت إلى عبري.. وجدت (عدداً معتبراً من هواة الغناء في الساحة)، كان أكثرهم جدية وحداثة الفنان الصديق سيد محمد توفيق، وكان بحق توأم الفنان وردي في جمال صوته، عمق تطريبه، وله أحفظ فضل تشجيعي واستصحابي معه إلى حفلاته في حدود منطقة السكوت.. كان سيد توفيق إنساناً في المقام الأول وصديقاً قلّ أن يجود بمثله الزمن الضنين، قال لي : الفنان بدون ثقافة مجرد مسجّل صوت... زوّدني بأمهات الكتب ، وأجل النصائح،.. التحية للفنان سيد توفيق في مهجره البعيد في الجماهيرية الليبية، ردّ الله غربتنا معاً..

هل قلت لكم أن الفنان الراحل دهب خليل، سمح لي بمجالسته في كويكه، واستمع إلى غنائي طويلاً، ثم قال: يا سلام يا ولد.. غني .. أهو كده ممكن أقول حيكون عندنا فنان يواصل المشوار.. بس خلي بالك، أوع تغني بالقروش...

وانتصحت بنصيحته، حتى الآن.. ونسيت أن الفنان دهب كان يتحدّث عن ذلك الزمن الجميل... الذي ولّى، مأسوفاً عليه..

بعد حصولي على الشهادة السودانية، هرولت إلى الخرطوم للتوظيف.. لم أحرز الدرجة التي تؤهلني للدخول في الجامعات العريقة.. بل أن التعليم الجامعي لم يكن ضمن خياراتي الأولى... لصعوبة الوفاء بمتطلباتها المادية،

وعملت في سلك التدريس الابتدائي..
تدرّبت في معهد التربية بشندي (كورس تمهيدي)،في أواخر 1970م، ثم معلّماً بمدرسة صيصاب الإبتدائية، تحت إدارة الراحل حسن محمد طه، وفي نفس العام تم نقلي (بالاستبدال) إلى مدرسة عبري الإبتدائية،مع الاستاذ فتحي اسماعيل، ابن الدفعة.

أستحضر الآن، جملة من الفنانين السودانيين،الذين انخرطوا في مستهل حياتهم في مهنة التدريس، الأستاذ محمد وردي، الأستاذ الطيب عبد الله، والقائمة تطول، والمعضلة هنا تكمن في :

كيف يوفق الإنسان بين مهنة التدريس، بكل خلفيات المعلّم – الشيخ- الأستاذ- المرشد- المربي، وبين الصورة الشائنة التي رسمها المجتمع السوداني المتزمت للفنان الغنائي، باعتباره صعلوكاً، فاقداً للأهلية الاجتماعية، ناهيك عن التعليم والتربية....

القدرة على التوفيق بين المهنتين، كانت من الصعوبة بمكان، لسبب بسيط، وهو أن المجتمع كان قد اقتنع مرحلياً بأهمية التعليم، بعد خروج الإنجليز الزائف، ولكنه كان متعصباً وجاحداً لدور الفن الوظيفي في بناء المجتمع، ولا ينظر إليه إلاّ من نافذة الفساد الأخلاقي،

كان الامتحان صعباً، وقاسياً..

ففي عبري فقط، تعثّرت خُطى الفنان عبد الكريم فرح عباس، وتاب عن الغناء، خشية اتّهامه بالطبخ في وعاءين مختلفين.. كذلك الفنان فكري حسن أبو طور، كما تاب الفنان عبد الله الزبير، وحاول إعدام منتجه الغنائي الرّاقد في وجدان الشعب النوبي العريض.. وكثيرون يستعصون على الحصر، انحنوا لعاصفة تسفيه دور الغناء في بناء وتهذيب وقيادة المجتمع... وتصالحوا مع أصحاب المفاهيم القديمة، ولا أملك لهم غير الاحترام، فقد كانت الريح أقوى من عضد الشراع..

كانت المعادلة، تستحق المجازفة بإعلان أهمية دور الغناء ووظيفته الاجتماعية الراقية في مجتمع محلّي متزمت، كما تحتاج إلى صبر، وعمل، وإنتاج فن مغاير، يسمو إلى تغيير الصورة القديمة المعششة في ذاكرة عوام الناس....

التغيير؟؟
هذه المفردة المرعبة التي – لا زالت – تقض مضجع الإنسان السوداني، في روابيه وفجاجه، إنّ الرهبة من حلول هذا (التغيير)، في شتى مناحي الحياة، والركون إلى (ليس في الإمكان أحسن مما كان)، هي التي قادت إلى تأسيس خلايا التقوقع، التخلّف، الجهل، المرض، والتقهقر إلى الفقر......

لا أزعم أن هذه النظرة إلى الفن، كانت تقودني، وأنا بعد شاب فاقد للخبرة والدراية، ولكني وبإدراك مبكر فهمت أهمية التغيير، بنيّة التغيير إلى الأحسن.. ولما كنت لا أملك كل أدوات ذلك (الأحسن)، فقد سعيت للوصول إليه، قدر طاقتي...

بدءً بالتفكير في النصّ الغنائي الذي كان سائداً، والذي كان ركيكاً فاقداً للموضوعية ، كما قال وردي في أكثر من مجال، وبرغم أن الغناء النوبي لم يخلُ أبداً من النصوص الموضوعية، عبر تأريخه، فإن بدايات القرن العشرين قد شهدت هجرة نوبية (هائلة) إلى الحدود السودانية المصرية، أمام حملة القائد عبد الرحمن النجومي، باعتبارهم سكان منطقة تابعة لسلطة الخديوي، كانت حدود المهدية عند منطقة (صواردة- إرو)، وقد ساعدت هذه الهجرة في فقدان ثلثي الإقليم النوبي – شمال مدينة دنقلا، بالموت جوعاً، أو الهروب إلى الأراضي المصرية، بلا عودة..

وبعد انتهاء معركة توشكي، مرّت فلول جيش الدراويش إلى السودان، عبر المنطقة، واستباحوا من تبقى،وما تبقى،

ظلت المنطقة النوبية خالية من السكان لما يقارب العشرة سنوات، قضاها النوبيون في مهاجر ( معسكرات لاجئين) شمال خور موسى باشا حتى مشارف مدينة أسوان..

وتم إرجاعهم إلى قراهم ، بعد أن استرجع القائد الإنجليزي كتشنر السلطة في الخرطوم، لصالح الحكم الثنائي (الإنجليزي المصري)....

نعم، حدثت الخلخلة الاجتماعية في تلك الهجرة المزدوجة، بانفصال الإنسان عن بيئته، وابتعاده عن عاداته وتقاليده الموروثة، فأصبح في فترة زمنية قصيرة متهالكاً، فقيراً، مستعبداً، وباحثاً عن أسباب العيش في مهاجر بعيدة وقريبة..

من الطبيعي أن يتناسى المرء ، أو ينسى بعض مكوّنات إرثه الغنائي، بفعل التغريب والتذويب، والمنع الصريح.. كما حدث من قبل منسوبي الطوائف الدينية، بعد أفول نجم المهدية..

إذن المشهد الموسيقي الغنائي في الإقليم النوبي كان يحتضر، إذا جاز التعبير، فكما يقول خبراء الموسيقى "إن الفن المعافى لا ينبت إلاً في بيئة تتنفّس الحرية"، كان الغناء بكل ما تعنيه الجملة " ممنوعاً حدّ التحريم"، ...

ففي مثل تلك الأجواء كان من المستحيل حدوث نهضة غنائية، تحتفظ بموضوعية النص، وثراء التعبير..

وقد بذل المبدعون الأوائل، قدر طاقتهم لإخراج الغناء النوبي من الاندثار، وكان الفنان محمد وردي آخر الأباطرة، وأوّل المجددين.. ليس على المستوى المحلي ، بل هو وردي الذي نعرف..

4 رد: مذكرات مكي على ادريس في الأربعاء نوفمبر 03, 2010 9:45 am

وقاص


مدير عام

هذه مقدمة ضرورية لمناقشة أغنية "عديلة"، أستعيرها من ورقة سابقة تم نشرها بعنوان:

أغاني (الشعب )طريقنا إلى العالمية
مكي علي إدريس/ الرياض

( كل ضروب الإنتاج الثقافي, تحتاج إلى توثيق وحفظ للأجيال القادمة, حتى لا يحدث الفراغ المعرفي الذي نعيشه الآن, فالكتب والمراجع اهتمّت بتدوين التاريخ السياسي للشعب السوداني -على علاّت ذلك التدوين- بيد أنّنا نجهل الكثير عن التاريخ الثقافي لتلك الحقب, والجهل بالمكونات الثقافية للشعب يوقع في كثير من المزالق ويخلق حالة من عدم الاحترام المتبادل وأحياناً يورث التعالي والهيمنة الثقافية والتي تؤدي بدورها إلى النزاعات والاحتراب) د. علي الضو( مقترحات حول إنشاء مركز وردي لتوثيق الموسيقى)


الربابة - السمسمية – الطنبور - كسر, وغيرها الكثير مما لا أذكر, أسماء متعددة لآلة الطنبور الشائعة الذكر في السودان وهي تصنّف (من حيث طريقة إخراج الصوت) ضمن الآلات الوترية التي تحدث أصواتها بطريقة النبر على الوتر, وهي من أحدث أنواع الآلات الموسيقية ظهوراً قياساً بآلات النفخ والطبول والآلات الأخرى ويصعب تحديد مكان ونشأة هذه الآلة لأسباب عدة أهمّها أن الآلة بسيطة التكوين بحيث يمكن توارد الخاطرة في صنعها في أكثر من مكان.

تقول إحدى الأساطير اليونانية (أن أحد آلهة اليونان أخذ ظهر سلحفاة وشدّ عليه جلد غزال ثمّ أخرج منها عمودين من خشب ربط بينهما بعمود خشبي ثالث مستعرض ثمّ شدّ عليها أوتاراً من أمعاء الماعز ونبر على الوتر فأخرج الصوت داعيا إلي استفادة البشر من الموسيقى). أمّا تاريخ الآلة فقد أيّد الكثير من الباحثين أنّ الآلة ترجع للعصور الإغريقية إشارة إلى الليرة الإغريقية LIRE بينما ربطها آخرون بآلة الكنارة KEENER المصرية التي تنتمي لليرة الإغريقية ( فتحي الصنفاوي الباحث المصري) . وللباحثة العراقية حُسْن قاسم رأي آخر يقول بانتماء آلة الطنبور إلى حضارة ما بين النهرين حيث ارتبطت بالملك البابلي كناروم. ويبقى من البديهي انتشار هذه الآلة في حوض النيل شمالاً أو جنوباً نظراً لارتباطها التاريخي والثقافي.
وقد أكدت الآلة وجوداً في الخليج ووسط أفريقيا بشتى المسميات والأشكال. وليس غريباً أن نجد آلة الكروبي KURUBI في جبال النوبة وهي من عائلة آلة الهارب الفرعونيةHARB وآلة الكرنق KIRANG التي تنتسب لعائلة آلة البيانو. هذا وللآلة مسميات عدة في كل أنحاء السودان منها الربابة وكسر KISIR وطنبور عند النوبة النيليين والربابة والسمسمية ..الخ.

كلمة( طنبور) في اللغة النوبية تعني (تون- بوّر ) ومعناه المجوّف، والطنبور في صعيد مصر اسم آلة حلزونية لرفع الماء للأراضي المرتفعة. ورد اسم الطنبور في أدب الغناء بوسط السودان بمعنى ( الكريرkareer ) وهي نوع من الرقصات تعتمد على مزاوجة إيقاعية بين الصفقة والصوت الصادر من مجموعة الحناجر ونجد ما يماثلها عند النوبة النيليين ويسمّونها ( كرّيkirre ( وتؤدّى بمصاحبة آلة الطنبور وأصل الكلمة نوبية من مقطعين هما (كون- إرّي ko-n irre ( بمعني (زئير الأسد). والمرجح أنّ مسمّى )الطنبارة) أطلق على الكرير لارتباط الأصل ( الكرّي) بمصاحبة آلة الطنبور.
آلة الطنبور خماسية الأوتار, ويصدر عن كل وتر صوت واحد, ولذا أصبحت آلة مناسبة لأداء الموسيقى ( خماسية السلّم), (بعد سادسة كبيرة)، و(تدوزن) آلة الطنبور حسب الحالة المزاحية للعازف دون التقيد الثابت بأية درجة صوتية في أوتارها, كما في الآلات الثابتة( بيانو – أكورديون – أورغ), وحسب قدراته الصوتية (حدةً وغلظة) أمّا ترتيب الأوتار في الآلة من حيث الدرجة الصوتية صعوداً وهبوطاً فهي تختلف من مكان لآخر, ففي الشمال نجد دوزنة مختلفة عمّا نجده في الجنوب, والذي نجده في الشرق ( البجة) يختلف عن كل ما ذكر.(د. مكي سيد احمد- خصائص اللحن والإيقاع بمنطقة السّكوت(.

يقول الباحث المصري فتحي الصنفاوي عن انتشار آلة الطنبور في الساحل المصري للبحر الأحمر ومناطق قناة السويس أن أحد العمال النوبيين نقلها أثناء حفريات القناة وانتشرت عن طريق البحارة إلى الجنوب وتسمى ( السمسمية ), وبرغم أن الآلة هناك قد طوّعت لإصدار أصوات تتناسب ومكونات المقامات العربية بما فيها من أنصاف وأرباع التّون TONEويبدو ذلك جليّاً في أغاني البحارة في سواحل البحر الأحمر شمالاً وجنوباً كما نجد هذا التطويع في بعض دول الخليج وجنوب العراق. ( مكي علي إدريس- السمسمية 1989م(
يصنع الصندوق المصوّت لآلة الطنبور من مادة الخشب أو القصعة الخشبية (القرعه) وتسمى باللغة النوبية (كوس(KOAS أمّا الأعمدة القائمة والمستعرضة فمن الخشب وقد شاع استعمال الأوتار المعدنية المتماثلة في المادة والطول والكثافة, وكان الأقدمون يستعملون خيوط الكتّان وأمعاء الحيوانات ( طنبور خليل معروف الكبير – متحف اللوفر –فرنسا ), كما نجد هذا النوع الآن عند نوبة الجبال ( قبيلة النيمانج) في آلة طنبور كبيرة الحجم تُؤدى بمصاحبتها نوع من الأغاني الشعبية الملحمية تسمى ) وديوميدر)wedeomeeder ( الباحث جراهام عبد القادر دمين(
تنتشر آلة الطنبور في كل أنحاء السودان وبعض دول الجوار, وتشكل وجدان المجموعات التي تتعامل معها كآلة مصاحبة للغناء والرقص وأشكال عقدية أخرى. عن الموسيقى البحتة بآلة الطنبور، هناك مقطوعات موسيقية دائرية تعزف في شرق السودان للتعريف والتمايز بين بطون بعض قبائلها، وفي الشمال نجد مقطوعات بمسميات مثل الجابودي, دهبية, والكري (الكرير), وتصاحب هذه المقطوعات الموسيقية أنماط من الرقص الخاص بكل قبيلة. ولكني أزعم بأن تلك المقطوعات إنما تنتمي لأشكال من الغناء الشعبي بمعناه العلمي، انتقل اسم مولفيها من الشخوص إلى المقطوعة الموسيقية التي أفرغت من نصوصها بفعل الزمن،

كان النوبيون يرقصون حول نارٍ موقدة على موسيقى وإيقاعات الطنبور والدفوف وبأيديهم الحراب حوالي عام 1800م (فيلتو- كتاب وصف مصر)، ثم تخلّوا عن تلك الحراب وأصبح الرقص عندهم بالتصفيق وضرب الأرض بالأرجل (رقصة الطورية – الواسوق) والرقص الاحتفالي بالطار, ويبدو أنّ التحوّل من مجتمع محارب إلى مجتمع مسالم يعنى بالزراعة قد أفرز هذا التغير، مع تأثير الهجرات المتصلة من الشمال والشرق، بقيت بها أم نزحت عبرها،

كان قدماء النوبيين يعتقدون في أن آلة الطنبور تطرد عنهم الأرواح الشريرة ولذا احتفظوا بها داخل منازلهم معلّقة على الجدران الداخلية. الباحث سيد محمد عبد الله مسل (تراث منطقة السّكوت(.






الغناء الشعبي

الأغنية الشعبية إصطلاحا، هي تلك الأغنية التي لا نعرف مؤلفها والتي يتداولها أفراد الشعب بالإضافة والحذف حتى تفقد شخصيتها الأولى، ثم تأخذ طريقها في الإنتشار خارج إطار نشأتها الأولى، ومن صفاتها البساطة وسرعة الانتشار.

وبما أن أية أغنية لا تنشأ من فراغ، فإن لكل أغنية بهذه المواصفات مؤلف معروف، ومكان نشأة معروفة، ونمط غنائي معروف، وثقافة معينة تعبّر عنها.. كتلك الأغنية الريفية الإيطالية التي تمّت معالجتها في أمريكا فخرجت إلى العالم بإسم (أطفال العالم)، وقام بأدائها أساطين الغناء في العالم أجمع.

ولابد من توافر الموضوعية في الأغنية الشعبية، والمغزى المشترك الجامع الذي يسترعي انتباه قطاعات كبيرة من المجتمعات المكوّنة للشعب، لا بد من توافر عناصر مشتركة في الأغنية الشعبية تجمع بين القطاعات التي تتداولها.

ولعل انتشار ثقافة الغناء العروبي – الغربي بوسط السودان، والمدعوم بسلطة المركز الرسمية، قد رسم في وعي المستمع السوداني، صورة مشوّشة ومهزوزة للأغنية الشعبية باعتبارها: كل أنماط الغناء القادمة من الأقاليم البعيدة والقريبة من عاصمة البلاد, والتي لا تتطابق قوالبها وطابعها ومكوّناتها مع أغنية المدينة (URBAN MUSIC), الأمر الذي بموجبه تم تصنيف كل من تغنّى بأغنيات الحقيبة (فناناً شعبياً), وصارت كل الأغنيات التي يؤلفها المحدثون على نمط أغاني العقود الماضية ( أغاني شعبية)!!ً فأصبحت آلة العود آلة التأليف الأولى برغم وجود آلات موسيقية غربية مثل الكمان والأورغ ...الخ. 0


أغنية الطنبور


إن أغنية الطنبور نمط إبداعي متشبع بروح البيئة التي تنتمي إليها, وهي كما هي, لون من ألوان الغناء السوداني المتميز بطقوسه وإيقاعاته ومضامينه الثرية والضاربة في عمق التاريخ والثقافة السودانية, والتي استطاعت أن تجد لها موضع قدم ثابت في أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة, أكثر من آلات سودانية تقليدية أخرى، مثل البالمبو والكرنق وأم كيكي والكُربي والوازا
أن تطور الغناء في مجتمع ما مقرون بتطوّر إنسانه أولاً، وللذين ينادون بتطوير أغنية الطنبور أقول:—
..... إنّ تطوير أغنية الطنبور لا يعني خلخلة ثوابتها المكتسبة عبر العصور والتشبه بأنماط غنائية أخرى، أو دعوة لطمس معالم طقوسها, فقد احتفظت أغنية الطنبور بالمزاوجة الأصيلة بين الموسيقى والكلمة (ذات المضمون الرفيع) والحركة( الرقص) وهي بهذا تعتبر شكلاً غنائياً أصيلاً ومؤهلاً للتعبير عن إبداعات المجتمع السوداني بجدارة.

تتميّز آلة الطنبور بقدرتها على تلبية الحاجيات الوجدانية للغناء المفرد والجماعي، كقدرتها على التعبير عن أصوات المنظومة الموسيقية (الخماسية)، إلى جانب توفير الإيقاع اللازم عن طريق النبر، للعازف والمغني والمشارك.

وأزعم صادقاً، أن أغنية الطنبور، إذا جازت تسمية الأغنية باسم الآلة المصاحبة لها، هي الأغنية السودانية المكتملة التي تستحق أن نسمّيها (غناء سوداني)، لأنها الآلة الوحيدة المتوفرة في كل أنحاء السودان، والتي تسكن وجدان كل السودانيين، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً،

وخير مثال لذلك .....

أكّد غناء الطنبور وجوداً مبكراً في الأجهزة الرسمية، عبر برامج " ربوع السودان"، "حقيبة الفن"، أو تلك الجهود الخجولة التي ما زالت تبذلها الإذاعة والتلفزيون للترويج لغناء أقاليم السودان البعيدة عن المركز، وقد أصاب فن الغناء الشايقي نصيب الأسد في تلك المساهمات، وبرز منهم الفنان عبد الرحمن بلاّص والفنان النعام آدم، وآخرون لا زلوا يثرون الوسط الغنائي بأروع الألحان والنصوص الرفيعة. وقد نجح الشوايقة في هذا الدور، ببلاغة نصوصهم العربية، واتجاههم الواضح لتوظيف قدرات آلة الطنبور الكامنة وترقية رقصاتهم (الرجالية) المصاحبة لها بقوة وإصرار، في شكل تابلوهات تفوح منا نكهة التراب الثّر ثقافياً وتأريخياً، وإن كان يؤخذ عليهم إهمالهم الواضح لدور المرأة في طقوس الرقص، فالمرأة الشايقية مبدعة على أرض الواقع، ولكنها لم تجد الفرصة الحقيقية لتفجير طاقاتها على المستوى الرسمي، ويشاركهم النوبيون بذات القدر، في هذا الإهمال لدور المرأة، صانعة التأريخ والوعاء الحقيقي للتراث السوداني العريض. هذا الإهمال غير المبرر طال غناء المرأة أيضاً، ولا عبرة لبعض الاستثناءات هنا وهناك. ففي غمرة الهجمات الثقافية الشرسة التي تعرّضت لها الثقافات السودانية عبر العصور، على اختلاف مشاربها، وقفت المرأة السودانية بصلابة ، تحمي مقدراتنا الثقافية بنكران ذات. ومسألة أخرى لا تقل أهمية عمّا ذكرت، وهي أن الشايقية بقدر احتشادهم بنبض التراث، وارتباطهم بثقافة البيئة، وقفوا بصلابة أمام غزو الآلات الشرقية والغربية، واحتفظوا بآلة الطنبور العتيقة لتشكل لونيتهم الغنائية التاريخية، دون أن يصيبها الصدأ... بينما مال أكثرالنوبيين، إلى اتخاذ آلات الأورغ وغيرها من الآلات الغربية، ونبذوا آلة الطنبور التي تشكّل وجدانهم، دون شك، في غفلة واضحة ومضرّة في صراع الثقافات العتيقة. ولا يتسع المجال هنا لذكر كوكبة الغناء الشايقي الزاخرة بالمبدعين الأسطوريين، ( سوف أفرد لهم مقالاً يتّفق وأدوارهم االباهرة في إثراء الوجدان السوداني من أقصاه إلى اقصاه.. )


لن أنتقل للحديث عن أغنية "عديلة النوبية" قبل تسليط بعض الضوء على أشهر من تغنوا بآلة الطنبور في الإقاليم السودانية المختلفة، على سبيل المثال لا الحصر، فما زالت تجربة الفنان أبو عبيدة حسن ( يا ناس شوفو لي حلل) وغيرها ماثلة لتعبر عن أثر الطنبور في أواسط السودان، وفي شرق السودان تنهض أسماء مرموقة ولا ينتهي عقدها بالفنان الساطع محمد البدري وأقرانه من المعاصرين، كما لا يجمل الحديث عن الغناء النوبي الدونقلاوي إلاّ بذكر الفنان الشاعر الباحث نوري سيد علي وتوأمه الرّائع الفنان زكي عبد الكريم، والشاعر جلال، والشاعر عبد المطلب، ومحمد آرتقاشة، وسلسلة المبدعين المعاصرين.

ولا زال الفنان محمد وردي يحتضن ربابته بدموع اللهفة، وهو القامة الذي نعرف.. ومعاصروه من أساطين الغناء الذين رحلوا إلى رحاب الخلد.. الفنان خليل معروف الكبير، الفنان حسين وقيع الله الشهير بحسين لالا، والفنان الكبير دهب خليل.. وتمتد السلسلة إلى كاتب المقال.... ولا تنتهي.






أغنية عديلة

) عـديلة وو ولّو اوين فجلّي(
)إركونقا فـا إن موقكـّا جلّي)
( نورن مقوكن جو شوكّا فايي)
(ديّكا تيقمين كوريل نلوجي))

بكل تاكيد، ما كنت لأكتب شيئاً عن أغنية (عديلة) قبل هذه المقدّمة المطوّلة، عن غناء الطنبور في الوجدان السوداني بشكل عام، وفي الوجدان النوبي بشكل خاص..

هناك أغاني سودانية أخرى حملت نفس الاسم، وأخذت مكانها في ذاكرة السودانيين، أما أغنية "عديلة" ذات النص النوبي والتي قمت بوضع كلماتها ولحنها في 1973م، بقرية عبري بشمال السودان، فقد تمّ بثها عبر الأجهزة الرسمية في احتفالات مدينة دنقلا بأعياد الإستقلال في منتصف السبعينات، وقامت بأدائها الفنانة النوبية صباح عثمان بشير، بعهد الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري.

نالت أغنية "عديلة" الكثير من الشهرة والانتشار حين تمّ اختيارها ضمن الأغاني الشعبية المتداولة في احتفالات الدورات المدرسية على مستوى الوطن، منذ أكثر من عشر سنوات،

وأذكر أن أستاذي القدير د. يوسف الموصلي أهداني إحدى أشرطته المنتجة في القاهرة، وكنت آنئذٍ أتتلمذ عليه بالمعهد العالي للموسيقى والمسرح (83-1984م) إذا لم تخنّي الذاكرة، وكانت البلبلة هادية طلسم قد سجّلت أغنية "عديلة" بمصاحبة آلة الطّار، في نفس الشريط ، تحت عنوان "أغنية تراثية"، يومها فاجأت الأستاذ الموصلي بأن تلك الأغنية ليست تراثية، بل هي من بعض مؤلفاتي بالنوبية، كما أذكر أن الفنان وردي، زار المعهد في تلك السنوات ورفع من أسهمي وسط أسرة المعهد، باعتباري فناناً نوبياً مطبوعاً، وذكر أغنية عديلة كإحدى مؤلفاتي..

لا يمكنني التحدث عن أغنية عديلة، خارج نطاق المفرخة النوبية للغناء المتوارث، المدعوم بالتنوّع الإثني والثقافي كمنطقة تماس منفتحة على بوابات الثقافات الشرقية وثقافات حوض الأبيض المتوسط، وبعيداً عن عصور الهيمنة والاستعمار، استدل المؤرخون بأسانيد قوية إلى وجود حضارة متجذّرة ورائدة، ظلّت تمثل عصور النور للبشرية جمعاء. فإذا كان للبيئة القول الفصل في تلوين أحداث التاريخ الثقافي للأمم، فإن البيئة النوبية ( قبل أن يعبث بها العابثون)، كانت مخصرّة ويانعة، وقدّمت للبشرية أجلّ الهدايا، كفنون الكتابة، وصناعة الحديد، ثم ابتداع الساقية، وكتابة التأريخ المدعوم بعلوم الفلك...

إنّ دواعي الإحساس بالموسيقى، تتجلّى في رحم البيئة، ولكل بيئة نفس ونكهة، ولكل صاحب إحساس ذائقة منتمية إلى أصوله، وذائقة أخرى باحثة عن الكمال المطلق، فالمتحسّس لجماليات الغناء النوبي لا بد أن يكون نوبياً ليرى تناغم الأصوات في بيئته بعين العارف، والمجرّب الحصيف، والذي لا يجامل في الأحكام، لذا قضى المستمع النوبي أن يكون الفنان النوبي شاعراً يقوم بموسقة أشعاره، ثم يقوم بأدائها بشكل مقبول... ولم تكن التخصصات قد برزت، فأكثر الشعراء الغنائيين ضاعت أعمالهم لأنهم لم يقوموا بموسقتها ونشرها وسط العامة، وعشرات الأصوات عالية التطريب ذهبت مع الريح لأن أصحابها لم يكونوا شعراء لهم إنتاجهم الخاص.. ولم تكن هناك مؤسسات لرعاية المبدعين.... بل كانوا بمثابة إرهابيي هذا الزمان، لا يرفع لهم علم.

النوبيون يسمّون الغناء (كيري keire ) وهو من أصل (قِرّي girre) بمعني يبكي، أو يقرّ، أو يعترف، وفي اللهجة الدنقلاوية ) او o) من أصل اونج onj) بمعنى يبكي، يعترف، يغنّي. ( قاموس نوبي تحليلي- مكي علي إدريس- قيد الطبع)، وينطق البعض ( قرقر girgir) بمعنى يشرع في البكاء، أو يستعبر بالعامية،

لم تهبط راحلتي بوادي عبقر، حين كتبت قصيدة عديلة شعراً، فالنص الشعري في أغنية عديلة، نصّ معتاد لا يميّزه عن غيره من قصائدي إلاّ البساطة، وتناول بعض تفاصيل الحياة النوبية المحتشدة باللقاء المرتعب من الفراق الوشيك، وقد بنيتها على "بحر المتوسط" المتناسق مع الإيقاع النوبي الرباعي (4 على4)، وتحاشيت في النص حشر شوارد الكلمات النوبية المستعصية، كما حرصت على تسمية الأشياء بأسمائها...

كما سبق وأن ذكرت، أن البيئة تحضن في تلافيفها آلية اختيار (المنظومة الموسيقية)، وأشكال التعامل معها وتداولها وتخيّر أدواتها، ولعل زعم الدكتور مكي سيد أحمد، في رسالة الدكتوراة التي نالها بأطروحته ( خصائص اللحن والإيقاع في منطقة السكوت)، (التأريخ؟)، بأن إنسان السّكوت يتمتّع بعقلية موسيقية كبيرة، قد بناها على خلفية معرفة مستفيضة عن الثراء الثقافي –الإثني- التاريخي، بذلك الإقليم الممتد وسط الإقليم النوبي العريض.

كانت مساهمات النساء في مجال الغناء، أكثر من الرجال، ففي الوقت الذي امتهن فيه الرجال الغناء الدنيوي العاطفي، وأغاني العمل، والابتهالات الدينية، برعت النساء في أغاني "السباتة"، وأغاني العمل، والغناء الديني المصاحب بالطبول والدلاليك، وأغاني "الحجاوي"، أغاني الزار، والمراثي (كير-اونج)، وأغنيات الطفولة،...الخ، والمرأة النوبية أكثر قدرة على حفظ نصوص الغناء من الرجال...

" يو شفوقة" بعبري، إمرأة معمّرة، سكنت في حي "هدين"، كنت أتزوّد منها ببعض المعلومات عن المغنين والشعراء القدامى، وكانت في غمرة سردها المشوّق ترسم أمامي صوراً رائعة عن أشكال الغناء القديم، وأخرى بائسة تعبّر عن التشرّد والهجرة أمام جيوش الدراويش، وبعضاً من آثار مجاعة "سنة ستة (1898م)، شهدت أواخر الستينات ازدهاراً غنائياً في منطقة السكوت، وكان الفنان دهب خليل، وردي، سيد إدريس، وحسين لالا، من روّادها... كما برز في شمال السكوت الفنان أحمد آغا، حسن خيري، صالح تينة، فيما كان الفنان مندق علي الأزهري يتأهب للظهور... وفي أرض الحجر ، كان الفنان محمود أحمد خيري يلوّن لياليها بإبداعاته،

وكذا وضعت أغنية "عديلة"، بروح المفردة العميقة للتعبير عن طقس الوداع القاسي، ولم أتردد في اختيار كلمة "عديلة" التي عبّرت ، بأريحية وبعمق، عن معناها العميق المتوارث لدى الناطقين بالنوبية والعربية في آن.

أمّا الموسيقى التي اخترتها للأغنية، فهي من صميم الموسيقى الشعبية النوبية الموروثة، ولا أدّعي أنها مستعارة أو مبتدعة...

فإلى أي حد تطابقت شروط الأغنية الشعبية على أغنية "عديلة" ؟

أنا أزعم أنها:
(1) أغنية بسيطة في نصّها وموسيقاها.
(2) أنها حظيت بفرص الإنتشار خارج إطارها النوبي، بفعل انتشار الوسائط المتعددة.
(3) تداولها عدد كبير من الفنانين القوميين، وفي أوساط غير نوبية
(4) الموسيقى الشعبية النوبية، وأنماط الغناء المتوارث ظلّت منذ عصور، تحتفظ بعلائق جذرية، ثقافية - تأريخيةً – إثنية بأنحاء السودان المترامية، وكان من البديهي أن يقوم صرح إبداعات الفنان وردي على أرضية إبداعية مشتركة مع الخليل الشاعر، صاحب " عازة في هواك"،
(5) نالت فرص الإنتشار سودانياً، عن طريق الدورات المدرسية..ونواصل


ساقني الأخ الكاتب محمود عابدين إلى تجاويف أغنية"عديله"، بحرفيته المعهودة ، وطرح عدّة أسئلة حولها، ربّما سعيت للرد على البعض منها في صُلب السرد السابق، ولكن مازال في الجعبة أشياء أخرى عن هذه الأغنية، تنتظر البوح، إذا كنا فعلاً نتحدّث عن أغنية تحمل جواز سفر نوبية (بالميلاد)، في رحاب وطن التعدّد الإثني، الثقافي، والعقدي، ولاقت بعض الرواج خارج إطارها المحلّي.


**أولاً:

لا بد من ذكر أن الموسيقى الشعبية في شمال السودان جزء لا يتجزأ من المنظومة الموسيقية الخماسية، المنتشرة في أنحاء واسعة من السودان القديم، والتي تضم معظم الأقطار المجاورة للسودان المعروف بحدوده السياسية بعد دخول الأتراك حوالي 1821م، ومن المعروف أن المنظومة الموسيقية الخماسية، منتشرة في أجزاء كثيرة من العالم، ( في إفريقيا، الصين، اليابان، كوريا، أمريكا، ..الخ(،

(1) إذن الغناء النوبي مُنتج غنائي إفريقي صميم، يقوم على أسس المنظومة الموسيقية الخماسية..

** ثانياً:

النص الشعري كُتب باللغة النوبية المحسية، والمعروف أن اللغة النوبية تنتمي إلى مجموعة اللغات النيلية الصحراوية ، والتي تنتسب إليها معظم لغات حوض النيل والصحارى المحيطة بها، ويقول علم اللغات بأن اللغات البجاوية والنوبية هي أكثر اللغات المعاصرة ارتباطاً باللغة المروية، بمسوغات عبقرية المكان والمقارنات اللغوية الشحيحة. (أسامة عبد الرحمن النور- أركماني(.

(2) اللغة النوبية هي لغة النص الشعري في أغنية عديله، وغيرها من الأغاني النوبية، بلهجتيها( المحسية، الفاديجا)، و(دنقلا- كنوز(.

ثالثاً:
الإيقاعات المنتشرة في شمال السودان، تتراوح بين إيقاع رباعي (4على4) وتتميز بها أغاني الحلفاويين، مناطق المحس، السكوت، ودنقلا، وإيقاع "الدليب" (7علىCool وهو من الإيقاعات المعقدة، ازدهر في غناء الدناقلة، ومنهم أخذها الشوايقة، (الباحث إبراهيم ابن عوف- الصالحية- ندوة الطنبور) الرياض. ولا نجد له مثيلاً خارج إطار الإقليم النوبي.، كما نجد أيقاع "العرضة"، وإيقاع المارش (2على 2)، غير أن الإقليم النوبي، كمنطقة تماس بين السودان ومصر، تأثر بكل إيقاعات الحضن الشمالي والشرقي ،عن طريق مصر، إضافة إلى تأثره بالإيقاعات العالمية الوافدة، عبر الإذاعة والتلفزيون ووسائط التسجيل..

(3) وتقوم أغنية عديلة على الإيقاع الرباعي (4على 4)، الشائع على امتداد الإقليم النوبي،

**رابعاً:
أغنية "عديلة" مُنتج غنائي ينتسب إلى نوبة شمال السودان، وجدت طريقها إلى أذن المستمع السوداني بفضل وسائط التقانة العصرية، ومسارب الاتصالات الحديثة، فمنذ عشرينات القرن الماضي ما زالت الأغنية الوطنية" عازة" تثير فينا كوامن الحمية للوطن، وأصبحت شعاراً قومياً، بفضل اختراع وسائط التسجيل والعرض عالمياً، والتي كانت متوفرة آنئذٍ في استوديوهات مصر..

(4) حظيت الأغنية النوبية بفرص انتشار واسعة في أجهزة الإعلام، من خلال فنانين قوميين كالفنان محمد وردي والفنان زكي عبد الكريم، والفنان إدريس إبراهيم، وغيرهم، وعن طريق الجاليات النوبية في مدن السودان المختلفة، التي درجت على ممارسة طقوسها الغنائية النوبية، جنباً إلى جنب مع الأغاني ذات النصوص العربية.. هذا الانتشار للأغنية النوبية في أواسط السودان مهّد الطريق لتعريف المجتمعات السودانية بأشكال الغناء النوبي، ربّما هذا الظرف أو ذاك، أتاح لأغنية عديلة الكثير من المساحات.

** خامساً:
سأترك التحليل الموسيقي لأغنية عديلة للأساتذة أحمد ساطور والزملاء المتخصصين، من أمثال القامة الموسيقار عادل الصدّيق، فلا يفتى ومالك في المدينة..
ونواصل..






ونواصل مع (وضع متابعات عديلة في البال)

أنا أتحدث الآن عن أوائل السبعينات، حيث كنت أعمل مدرساً بالمرحلة الابتدائية، ( مدرسة صيصاب الإبتدائية – مدرسة عبري الإبتدائية – مدرسة كجبار الابتدائية المختلطة)، حتى يوليو 1973م، حيث تمّ نقلي تعسفياً إلى مدرسة المنطقة والنور، ملتحقاً بمعهد التأهيل التربوي، بعطبرة. تمّ نقلي إلى عطبرة بأمر وزير التربية والتعليم الراحل د. محي الدين صابر، صاحب الثورة التعليمية بعهد الرئيس جعفر نميري.. وتلك قصّة طويلة لها علاقة بتورّطي في سلك المعارضين لنظام نميري، وانحيازي إلى جانب المطالبين باسترداد حق مواطني السكوت في قضية "المدرسة الأولية القديمة" بين الشيخ داؤود أحمد، رحمه الله وبين مواطني عبري، وقد حُسمت القضية بالتراضي، بفضل كوكبة من رجالات السكوت بالخرطوم..

ولكن، وحتى أتمكن من التعليق على جملة المساهمات والاستفسارات، لا بد من تسليط الضوء على بعض المناشط الهامة في تلك المرحلة،،

النشاط الرياضي

الأخ الصديق محمود بدر محمد..
عمل ضابطاً في القوات المسلّحة السودانية، ثم اغترب في دولة الإمارات –أبوظبي، لسنوات طوال في ذات السلك، ويعمل الآن في الإمارات، في وظيفة مدنية،.
وهو من أبناء قرية تبج –محلية عبري- محافظة وادي حلفا،
في مطلع السبعينات، تعرّفنا عليه رياضياً مطبوعاً، أثار ضجّة في أوساطنا التقليدية في القرية، بجسمه الرياضي، ومرونته المعجزة، وهدوئه الصارم، قيل لنا أنه يعمل في الجيش، ومن يومها ارتسمت في أخيلتنا صورة الجياشي الحريف المنضبط حدّ الربط، هبط علينا محمود بدر في البلد بأناقة لاعب الكرة الواثق، بكل ما تحمله الكلمة،،للوهلة الأولى كدنا نحتج للحكم القديم الصارم أحمد كاشف، كبير المحاسبين في مجلس ريفي عبري، ولم نكن نعرف أن الكدّارة شرط أساسي في زي اللاعب،، فصرخنا بصوت واحد " خلوه يطلّع الكدارة" فرفض الحكم الواعي مبرراتنا الواهية، ولا أعتقد أن محمود بدر نفسه علم بذلك الاحتجاج الصارخ، ولكننا في فريق نادي عبري، علّقنا هزيمتنا المنكرة على شماعة تلك الكدارة اللعينة.. وكان بعض لاعبينا يجرون أقداماً لا تحتاج لكدارة أو خلافه..
لم نشهد لاعباً في كرة القدم (الشراب طبعاً) في قريتنا الصغيرة، بحجم هذا المحمود بدر، وقد رأينا فيه المثال والقدوة للاعب كرة القدم، المتزود بوعي حقيقي بضوابط وقوانين كرة القدم، والزي الكامل واللياقة الكاملة،. بحضور محمود بدر كان فريق تبج يدخل عالم التمارين المقننة،، وهكذا نقل إلينا ثقافة كرة القدم إلى حوارينا ومياديننا البائسة في الأحياء، وفي تلك السنوات نال فريق تبج ما يكفيه من الكؤوس.. لا زال بعض أفراد فريق تبج ومشجعيه القدامى، تعتريهم الكثير من الرهبة الممزوجة بالاحترام الكامل لمحمود بدر، بقدر صرامته وجديته وقدرته على تنظيم الفريق، ورفع قدراته لتحقيق الانتصارات المستحقة.. كما شهد بذلك الأخ الصديق - علي سيد همّد.. فإذا سمحت ظروف الكابتن محمود بدر، سأطلب منه توثيق النشاط الرياضي في تلك السنوات الذهبية باعتراف العديد من شهود العيان.
واستثناءً سأذكر عبده دودو وشرف دودو في جزيرة صاي، فقد كانوا لاعبين حقيقيين، أثروا ملاعب البلد بإبداعاتهم، النائمة في ذاكرة عوام الناس..وفي ذلك العهد كان فريق صاي، بُعبعاً حقيقياً على مستوى منطقة السكوت، قبل أن تدور بها دوائر الشقاق..

كما ذكرت سابقاً، فلا أحد ينكر الفضل الكبير لأبناء عبري في تأسيس المشهد الرياضي في السكوت وكانت لعبري أيضاً قصب السبق في تأسيس المسرح المتنقل إلى مناطق السكوت والمحس وحلفا. ولكن يظل لمحمود بدر وأضرابه في قرى السكوت الفضل الأكبر في ازدهار كرة القدم بقوانينها وميادينها الصحيحة، وهذا لن ينسيني أنّ محمود بدر نفسه يُعد أحد أهم شهود العيان النادرين للنشاط الرياضي بمدينة وادي حلفا قبيل الإغراق المدمّر 1964م. وأجزم صادقاً بأنه سعى في هذا المنبر، غير مرة، لتوثيق هذا الجانب الهام، من تأريخ حلفا الغريقة بأمواج الإهمال وسياسات الأمر الواقع، ولكننا لاحظنا بعض ركود الغفلة والانصرافية من الجميع...
العتبى للأخ محمود بدر حتى يرضى..
غير أن ضرورة توثيق هذه المراحل الهامة، سوف يدعوني مجدداً لتكليف الأخ محمود بدر ليساهم معنا هنا، من أجل التوثيق، وله الشكر..

ومحمود بدر، مرة أخرى، هو ذلك الإنسان الرّقيق الممتلئ بعشق الموسيقى والغناء،والذي نذر نفسه لتوثيق الغناء النوبي، بحرفية عالية، تمتلئ مكتبته الصوتية بأمهات الأغاني النوبية القديمة والمعاصرة، وبانصرافية جادة عن غثّ الغناء، يبذل الغالي من ماله ووقته في نشاطه التوثيقي المنضبط. ظلّ الأخ محمود بدر ينفرد بتوثيق أعمالي الغنائية منذ 1972م حتى الآن، ركب الصعاب ليلتقيني في البلد، وفي حواري مدينة عطبرة، ثم في متاهات الخرطوم، واستقدمني إلى الإمارات انحيازاً لتوثيق أعمالي، ولا زال يحاول اقتلاع خيامي من الرياض بأية الطرق... لذا هو صديق العمر الذي أحترم÷ وافتقده دائماً.. وأعترف بأن أهمّّ الأشرطة التي وثقت أعمالي ووصلت إلى المستمع النوبي، قام محمود بدر بتسجيلها، وحفظها، ولم يتاجر بها كالآخرين ممن نعرف.






كتبت الجزئية السابقة بإسهاب عن الأخ محمود بدر محمد ،كأنموذج للمستمع النوبي الحريص على توثيق أجناس الفلكلور النوبي - السوداني، بوعي تام، وبما أن هناك العديد من الأصدقاء والمهمومين بقضايا الفن والذين مدّوا لي يد العون في كل محطاتي السابقة والحالية، فلا أعتقد أنني سأجد الكافي من الوقت والمتسع من الفرص لتسجيلها هنا، ولكني واثق من أنني سأجد المجال الواسع لتسجيل أدوارهم المقدّرة في صفحات قادمة..

أكرر طلبي من الإخوة: الموسيقار أحمد ساطور، الموسيقار عادل الصديق، أن يقدّما لنا هنا، التحليل المستحق للغناء النوبي ، عديلة أنموذجا...

سوف أبدأ في الرد على الاستفسارات والتعليقات السابقة بعد المساهمة الحالية،

استوقفتني هذه الأسطر من كتاب الأستاذ الباحث سيد محمد عبد الله مسل، في كتابه "تراث منطقة السّكوت" ، الفصل الرابع، تحت عنوان(الحيوان)، ما يلي:
الحيوان

اهتم سكان السكوت منذ القدم بتربية البقر الجمل والحمار والأغنام والضأن والكلب والدجاج.. وقد سخروا هذه الحيوانات لمصلحتهم في إنتاج الغذاء والمواصلات والحراسة والثروة، ولطول الوقت الذي يلازم فيه الإنسان النوبي هذه الحيوانات الأليفة لاحظ كل ما يصدر منها من حركات وما لها من عادات واقتنع ببعض التجارب المرتبطة بها ووضعها في مراتب مختلفة حسب ما يلعبه كل نوع من دور في حياته.

1- البقر:
ويعتمد عليه اعتمادا كليا في إدارة الساقية (فالساقية النوبية) كانت تُدار ببقرتين، في العادة، وأحياناً ببقرة واحدة في السواقي الصغيرة (كولسود)، وقد شاع تشغيل جاموسة واحدة لإدارة الساقية في الجزء النوبي الممتد داخل المصري، لذا عني المزارع النوبي بتربية الأبقار عناية خاصة ووضعه في مرتبة عالية.

أ‌- عند عودة السكان من هجرتهم إلى وادي حلفا ومصر، بعد تقويض سلطة المهدية (1898م ) كان الإقليم النوبي الممتد شمال دنقلا شبه خالٍ من السكان، باستثناء بعض جيوب عرب البديرية النازحة من بوادي دنقلا والشايقية. وقد قامت إدارة الحكم الثنائي، بتسليف قيمة بقرة تشجيعاً لكل راغب في العودة من (معسكرات اللاجئين في منطقة شمال وادي حلفا)، إلى مناطقهم الأصلية، تشجيعاً لاستقرارهم وتحفيزاً لبدء النشاط الزراعي، عماد الحياة في ضفاف النيل.
ب‌- فإذا ماتت البقرة خلال الموسم الزراعي، كانت الحكومة تتكفل بشراء البديل له، وكانت تضع على ظهرها (ختماً) يؤكد ملكية الحكومة لها حتى يسدد المزارع قيمتها.
ت‌- نجحوا في تربية البقر وأصبح عدد البقر مقياساً من مقاييس الثروة لدى المواطنين.
ث‌- يربطون الأبقار في حظائر ويعنون بنظافتها مرتين في اليوم ويجددونها في فترات متساوية .
ج‌- عند تجديد الحظيرة يوقدون ناراً مع مغيب شمس أول نهار بالحظيرة الجديدة،
ح‌- عندما تلد البقرة كان صبيان الحي يأتون إلى حظيرتها صباحاً ومساء بدعوة من صاحبها لشرب اللبن لمدة سبعة أيام متتالية ،لا يؤخذ اللبن خلالها للبيت، وبعد أسبوع ينتظرون ظهور الهلال الجديد حتى يسمح بأخذ اللبن للبيت أو ليأخذ منه الجيران، ويحيطون حظيرتها بسياج يمنع المارة من رؤيتها خوفاً من السحر (العين الشريرة)، ويجلبون إليها الماء والعلف.
خ‌- إذا كبر البقر وعجز عن العمل يقررون ذبحه وتقسيم اللحم بين كافة المواطنين (كيري) بشرط أن يتحصل صاحبه على قيمة بقرة أخرى قادرة على العمل.
د‌- عندما يموت البقر، كانوا يعقدون اتفاقاً يلزم كل مزارع أن يعير بقره للذي فقد بقرته ليوم كامل حتى لا تتوقف ساقيته ولا لحظة واحدة حتى نهاية الموسم. وفي خلال ذلك يتعاونون على جمع المال اللازم لشراء بقرة بديلة، ويكتبون خطابات لذويهم في مصر ليشتركوا معهم في الإعانة المالية العاجلة لصاحب البقر في عجل.
ذ‌- ربما يشترك اثنان أو أكثر في امتلاك البقرة ويستفيدون من إنتاجها من المحاصيل أما اللبن ومشتقاته فمن نصيب من يرعى البقرة ويقوم على غذائها وحمايتها.
ر‌- تؤجر البقرة للمزارعين ونصيبها ثلث الإنتاج وللمزارع الثلثين، هذا إذا قام المؤجر بتوفير العلف لها، أما إذا التزم صاحبها بغذائها فللبقرة النصف وللمزارع النصف من المحاصيل.


2- الجمل: يرجّح المؤرخون الرأي القائل بأن الصحراء النوبية من أولى المناطق التي ظهر فيها الحصان والجمل، والجمل من الحيوانات القادرة على التكيّف مع البيئة في شمال السودان، وقد استخدمها النوبيون بكثرة في الحروب، بجانب الحصان، وبانحسار ممالك النوبة وذهاب دورهم السياسي في حوض النيل، تناقص عدد الجمال إلى مستوى الحاجة الماسة، وذلك لعدم حاجتهم للتوغل في أعماق صحراء العتمور. ومن ثمّ انتشرت قطعان صغيرة من الجمال في بعض الجيوب المأهولة بأجناس عربية أو بجاوية، يقوم بتربيتها بعض محترفي الرعي في أودية السيل، كانت القوافل التجارية البرّية تتكوّن عادة من الجمال وبعض الحمير، ظلّت تقوم بنقل المسافرين والسلع بين دنقلا ووادي حلفا، وجلب الملح من واحة (سليمة)، بصفة تجارية وأحياناً أهلية، ونقل المحاصيل والأشياء الثقيلة داخل المنطقة.

3- الحمار: استعمل الحمار كناقل للناس وأشياءهم للمسافات القريبة ولنقل العلف، من أماكن تواجده إلى حظائر الأبقار والأغنام والضأن كم سُخّر لدرس المحاصيل والبقول، فهو حيوان طيّع للأطفال والنساء، وشديد الارتباط بحظيرته ومكانه الأصلي، يلتزم الهدوء وعدم التعدي خارج بلده حتى أنه لا ينهق بطلاقة إلا عندما يعود إلى بلدته، ويلتزم الحمار بوضع روثه في مكان واحد بحيث يجعل باقي مساحة الحظيرة نظيفة.
ارتبط الحمار في الوعي العام بالشيطان، لصوته الذي تنكره الأذن، وارتباط حوافره بحوافر الشيطان، وقد نسجت الأخيلة الشعبية العديد من المعتقدات المرتبط بالحمار، فإذا قامت الحرباء بعضّ الإنسان فلابد أن تنهق حمير مصر حتى يتخلّص المسكين من هجوم الحرباء, وهناك حديث نبوي يؤكد ائتمار الحمار بأمر الشيطان، وفي مجال الأمراض الشائعة، يُستخدم لبن الأتان ( أنثى الحمار) في علاج الحصبة.

4- الأغنام: تقوم الأسرة النوبية بتربية أعداد ضئيلة من الضأن والماعز، بغرض توفير اللبن واللحوم والصوف، والبيع أحياناً، وتقع مسئولية رعايتها على المرأة النوبية بصفة عامة، ومن عاداتهم وضع مشيمة الأغنام والضأن(التابع) فوق نبات أخضر بعيداً عن متناول الكلب، لأن الكلب لو تناول التابع، في اعتقادهم، فإن ذلك يمنعهم من التكاثر مرة أخرى، كما يضعون أول نقطة من اللبن الجديد فوق ورق نبات اخضر ويضعون معه جزء صغير من أظافر السخلة الأربعة ويلفون اللبن والأظافر في ورقة النبات ويقذفون الصرة نحو الشمس ملتمسين منها استبدالها بما هو خير منها..
وعند مرض الأغنام يبدءون العلاج بسقيها من لبنها بواسطة، أو حقنها بحقنة شرجية بلبنها أيضا، كما يعالجونها بمحلول العطرون، ومن طرق علاج الأغنام (عندما تنتفخ بطنها) ضربها بلباس فتاة من أفراد الأسرة.
وإذا أصيبت عينها بالبياض يطحنون قطع الفخار ويضعون دقيقه في عينها لعلاج البياض، كما أن لبن العنزة السوداء دواء معتمد لعلاج البياض في عين الأطفال.

5- الدجاج: يمثل الدجاج دوراً كبيراً في العلاج الشعبي في إفريقيا كافة، وبأشكال متباينة، ولا زالت الدجاجة تمثل عصب الوصفات الطبية للمعالجين في طقوس الزار والأمراض النفسية. اهتمت المرأة النوبية في منطقة السكوت بتربية الدجاج داخل منزلها لتوفير البيض واللحم ولم يعرفوا بيع الدجاج أو بيضه فقد كانوا يأخذونه من بعضهم عند الحاجة بالمجان.

ومن ملاحظات المواطنين عن الدجاج وتحركاته
• لا يبتعد الدجاج عن مجالس الناس مهما بالغوا في طرده بعيداً ويصر على التبرز فوق البرش التي يجلس عليها الناس.
• الدجاج الأبيض أكثر بيضاً والملون أكثر لحماً.
• في شهر طوبة لا ينجح أي بيض يحاول تفريخه ؟؟
• حب الذرة وفضلات الطعام والقمح يسبب (الهيم ) للدجاج.
• يصيب السحر الدجاج بسرعة، ولإنقاذه من فعل السحر يأخذون أوساخ بيت الدجاج ويلقونه في طريق يكثر فيه المشاة أو يعملون (بليلة) من القمح والذرة ويقدمونها كرامة للأطفال يوم الجمعة.
• يستعملون البصل كعلاج للدجاج المصاب بالتقيؤ وأعراض الفتور.
• ولعلاج (الهيم) ينظفون مكان الإصابة حتى يظهر الدم ثم يمسحون مكان الإصابة بالحناء أو التفتة.
• عندما يقل إنتاج الدجاج من البيض يعطونه من نبات التنوم tennoom .
• عندما تستلف سيدة أو تشتري دجاجة من سيدة أخرى بقصد تربيتها فإن السيدة الأولى تحاول الاحتفاظ خلسة بقليل من ريشه، في منزلها حتى لا تنتقل البركة من منزلها إلى منزل المستلفة،


الكلاب :
الكلب حيوان أليف ومفيد للأسرة النوبية، يقوم بحماية البيت من اللصوص والحيوانات المتوحشة، كالذئاب والضباع والثعالب، وللأطفال ولع ملحوظ بتربية الكلاب بالرغم من محاربة الكبار لهذه الهواية بدعوى أن الكلب (نجس) ولا تستحب تربيته في البيت، حيث أن رحمة الله في اعتقادهم لا بيتاً يعيش فيه الكلب.

إذا عض الكلب شخصاً، كانوا يأخذون قليلا من شعر الكلب نفسه ويحرقونه ثم يضعون رماده فوق الجرح الذي سببه الكلب. وقد لاحظ الناس مطاردة كلاب الحي لأي كلب يدخل قريتهم من خارجها فقالوا إن الكلاب في ماضيهم البعيد عقدوا مؤتمراً واتفقوا على عدم التقرب من خمارة العجين وكتبوا وثيقة بهذا الاتفاق وأسموها (السند) وقبل توقيعهم عليها نزل مطر غزير، فقام أحدهم ووضع السند في دبره وجرى، ولم يعد حتى الآن، لذلك لا يأتي كلب من خارج المنطقة إلاّ ويبحث كلاب القرية عن السند في دبره.. وبعد النظر على موضع الدبر وشمّه تقوم المعركة بينهم وتبدأ بالسؤال عن السند،

إلى جانب هذه الحيوانات تعيش في المنطقة أعداد قليلة جدا من الحيوانات المتوحشة، كالثعلب والذئب والضبع، وبعض أنواع الغزلان والأرانب البرية، تتجوّل زرافات ووحداناً بأودية السيل وبعض الغابات الموسمية في الصحراء،

يحتشد نهر النيل بأنواع مختلفة من الأسماك، لا تمثل أية أولوية في المائدة النوبية، باعتبارها مقدسة وفق معتقدات قديمة، لا زالت ترمي بظلالها في وعي الإنسان النوبي المعاصر، وهناك أعداد قليلة من التماسيح والورل والسلاحف والضفادع، وهناك مؤشرات غير دقيقة لوجود فرس البحر حتى أزمنة قريبة،


ومن الحشرات الموجودة في المنطقة العقرب والثعبان والسحالي والضب والخنافس والحرباء والزنابير والفراش والبعوض والنحل. ومن الطيور تعيش في المنطقة أنواع مختلفة منها القمري والعصفور والغراب والهدهد والصقور وبعض أسراب الطيور المهاجرة والأليفة، كالبط والأرز وطير البقر، أم قيردون وطائر الرهو. البجع، الصقور بأحجامها المختلفة...

وللناس عادات ومعتقدات موروثة في التعامل مع هذه ا الحيوانات والطيور والزواحف،منها :

** الخط الأبيض في بطن الحرباء خيط من كفن الرسول (ص)، ولقد خاط الحاضرون بطنها عندما تمزقت نتيجة للبكاء الشديد عند وفاة الرسول (ص)..!!

** طير يسمونه عدو الله norin monsin kawarti (السُقدة)، لا ينام بالليل لأن الله وضع في عينيه شوكاً يمنعه من النوم لأنه نام ليلة وفاة الرسول(ص)

** الخنافس تنظف الأرض من براز الناس والبقر حيث تعمل منها كوراً وتبعدها عن أنظار الناس لأن القمر وعده بالزواج منه متى ما انتهى من نظافة الأرض.

** التمساح يعادي الكلب لأنه استلف منه لسانه ليشرب سائلاً، ثم أنه هرب باللسان ولم يرد الأمانة..

** يتفاءل النوبيون بكثرة الضفادع في فصل الصيف فذلك في اعتقادهم دليل على خلو العام من الأوبئة والأمراض.، وقد قلّ عدد الضفادع في المنطقة في الآونة الأخيرة لأن الأدوية والكيماويات التي يستعملها عمال الناموس تقتل صغار الضفادع.

** عندما تتشاجر العقرب والسحلية فإن السحلية تنتصر على العقرب إذا وجدت نبات(رجلة) على الجوار، حيث أنها تمتص من رحيق الرجلة رقية ضد سم العقرب، فإذا لم تجد الرجلة ماتت في الحال. (انتهى الاقتباس)

لقد أضفت بعض المعلومات الهامة في صُلب الاقتباس أعلاه، تعميماً للفائدة، وثقةً في أن الأستاذ سيد محمد عبد الله مُسُل، سوف يفاد منها في الطبعة القادمة للكتاب الهام..

الجدير بالذكر هنا، أن الكثير من العادات والمعتقدات القديمة، والتي عفا عليها الزمن، لا زالت تعشّش في أذهان القطاع الأكبر من النوبيين، في قراهم ومهاجرهم.. وما زالت بعض هذه المعتقدات والعادات تُمارس بعفوية وعناد، برغم حملات التوعية وجهود الإرشاد الرسمية والشعبية.

وتظل هذه العادات والتقاليد، هي الشفرة التي تُعرف بها الثقافة النوبية الإنسانية..


**رابعاً:
أغنية "عديلة" مُنتج غنائي ينتسب إلى نوبة شمال السودان، وجدت طريقها إلى أذن المستمع السوداني بفضل وسائط التقانة العصرية، ومسارب الاتصالات الحديثة، فمنذ عشرينات القرن الماضي ما زالت الأغنية الوطنية" عازة" تثير فينا كوامن الحمية للوطن، وأصبحت شعاراً قومياً، بفضل اختراع وسائط التسجيل والعرض عالمياً، والتي كانت متوفرة آنئذٍ في استوديوهات مصر.. ))

كتبت هذه الفقرة في المقال السابق...

وللمفارقة العجيبة حتى هذه الفقرة التي كتبتها في سياق تثبيت ملكية تأليف وغناء أغنية "عديلة"، لمكي علي إدريس، فسّرها البعض بأنها إشارة إلى أنها من تأليف آخرين !!!!!! فماذا يقول القائلون؟

الشكر الجزيل لكل من شجّعني على مواصلة السرد..

*****
بأوائل السبعينات، تم إنشاء مستشفى عبري، وكنت ضمن " عمّال اليومية" آنئذٍ، بخمسة وعشرين قرشاً، في فترة الإجازة، وكان المقاول عباس محمود من مواطني عطبرة، أما المنفذ المسئول فكان يسمّى "كُرُفت"، الذي أتاح فرص عمل كبيرة لشباب عبري وما جاورها، كان هناك فني متخصص في تجهيز "البُلك" بأشكال وأحجام مختلفة، اسمه علي حامد، وبعد انتهاء عمله في المستشفى، آثر البقاء في عبري ولا زالت أسرته هناك حتى الآن.

لمستشفى عبري سيرة طويلة قد نتعرّض لها لاحقاً، ولكن الدكتور محمد عبد العزيز يحتل مركز الصدارة في سلسلة الدكاترة الذين تواتروا على المستشفى الهام والذي يقوم بتغطية المنطقة الممتدة بين عكاشة وسعدفنتي، وقد مرّ بها الدكتور خيري، وكيل وزارة الصحة الاتحادية – لاحقا-، ومن أشهر الخفراء الذين عملوا فيه الراحل عبده صابونة، والد الدكتور الشهير مبارك عبده صابونة، وعوض نصر، مبارك نصر، من تبج، وعمّ إبراهيم من عمارة، وحسن حرم من جزيرة أرنتى... وحسن دقدق من عبري.

ما بين مشروع " خيرنتود"الزراعي ومستشفى عبري، يقع مطار عبري الحزين، الذي ظل يشتكي لطوب الأرض، وغفيرها صالح كشكش المرحوم، من عقم سياسات الحكومة، وخمول الأهالي، ولصوص " الخردة" من بقايا السلك الشائك المتهالك حول المطار، بعد أن ذهبت قوائمها الحديدية " غنيمة باردة " لأصحاب الورش، واستقامت أبواباً وشبابيك في المنازل الفقيرة. هناك وعلى ربوة رملية قديمة كان يرقد رفات الشيخ "أمير عبد الله"، الفقير الكبير الذي ظل يزوره أهل عبري وضواحيها، حيناً من الدهر، يقدّمون له القرابين في أيام الخميس ، ويعتقدون في قدرته علي تلبية أمانيهم، إلى أن أتي البروفيسور الراحل نجم الدين محمد شريف، مدير المتحف القومي، بإحدى جولاته التنقيبية في أغنى حقل آثاري في العالم، باعتراف المؤرخين، الإقليم النوبي بشمال السودان. عندما سأل البروفيسور عن هويّة صاحب قبر "أمير عبد الله"، لم يخبره أحد من أهل المنطقة، فأمر بحفر القبر، وسط دهشة الحضور من أهل البلد، خافوا إلى حدّ رفضهم القيام بعملية الحفر، وبعضهم هرب بجلده، ولسان حاله يقول:
" أعوذ بالله من الشوييين، يقصد الشيوعيين،" فاستعمل البروفيسور نجم الدين سلطاته، وتمّ حفر القبر، واستخرج منها هيكل عظمي لفتاة نوبية مقتولة، من عصور الدولة الكوشية. ولا شك أن العديد من المزارات التي يتقرّب إليها أهلنا ، مشكوك في أمرها، بدليل أن البروفيسور نجم الدين، كان لا يقترب من المدافن التي يتعرّف الأهالي على أصولها أو تأريخها الموثق.

كانت كراهية حكومة نميري تقف أمام كل مساعينا كشباب، لتنمية القرية بواسطة شجرة مايو الوارفة، رغم أن أكثر القائمين بتنفيذ سياسات نميري في الشمالية، ظلوا يحتفظون

5 رد: مذكرات مكي على ادريس في الأربعاء نوفمبر 03, 2010 9:48 am

وقاص


مدير عام
المشروبات الروحية في المجتمع النوبي
يقول الدكتور الراحل محمد إبراهيم أبو سليم، في كتاب "الساقية" أن الإقليم النوبي قد شهد خواءً سكانياً، أكثر من مرة، لأسباب متعدّدة، منها الحروب، والاستعمار بأوجهه المتعددة. وقد شهدت المنطقة النوبية "شمال دنقلا" بأواخر عهد المهدية، خواء جزئياً ، بهجرة النوبيين إلى الشمال، شمال "خور موسى باشا" وحتى مشارف مدينة أسوان، هرباً من سطوة الحرب المعلنة من قبل الخليفة عبد الله ضد مصر، بقيادة عبد الرحمن النجومي.

وأتفق مع رؤية الباحث محمد جلال أحمد هاشم في ورقته الأولى " كجبار"، والتي قالت بأن " أي خلل اجتماعي في مجتمع ما، يسوق بالضرورة إلى خلل مماثل في البنية الثقافية لذلك المجتمع..."،

وهذا ما حدث فعلياً، في الإقليم النوبي بعد رجوع الأهالي إلى قراهم باندحار المهدية، وعودة الإدارة البريطانية إلى استرجاع السودان تحت سلطة التاج البريطاني عام 1898م... وطرد الوجود المصري، في منتصف عشرينات القرن الماضي..

هذا الخلل الثقافي هو الذي أفقد المجتمع النوبي الكثير من أجناس الفلكلور النوبي القديم، في مجال الغناء الشعبي والعادات والتقاليد، ولولا شكيمة ثقافة الساقية المؤسسة للبنية الاجتماعية النوبية، لفقدت الشريحة السكانية شخصيتها الاعتبارية منذ زمن بعيد.
وهكذا، ورث النوبيون، هذا الخلل البائن، والذي تمثّل في فقدانهم لتأريخهم الثقافي، وبعضاً من أسس اللغة النوبية ذات التأريخ الموغل في العراقة..

وما أدراك ما "الدكاي"

لست هنا بصدد مناقشة تحريم الخمر، فقد اندلق فيها مداد كثير، بيد إن طقوس شرب الخمر في المجتمعات النوبية القديمة كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بنشاطات صنع الحياة، كأوقات بدء أو ختم المواسم الزراعية الصيفية والشتوية، وفي مناسبات الأفراح والأعياد، وثمّة قرائن للاعتقاد بأن المواد التي صنعوا منها خمور هم كانت ( التمر ، الذرة) وإن كنا لا نستبعد (العنب والزبيب) لقرب الإقليم النوبي النسبي إلى مصر حيث تتوافر ظروف مناخ البحر المتوسط.

ظلت المرأة النوبية تقوم بمهمة صناعة الخمور بأنواعها (دكّاي، نبيت، شربوت).. وصناعة أدواتها المختلفة، وقد ذكر الباحث السوداني الطيب محمد الطيب، في كتاب "الإنداية"، عن المريسة في الغرب السوداني، باعتباره وجبة أساسية تتناولها الأسرة، وأمّن على ذلك بعض المدرسين القدامى الذين عملوا في الغرب السوداني.. فهل كانت المريسة وجبة غذائية للنوبيين النيليين، سيّما وأن معنى المريسة باللغة النوبية ( مري-ن اسّي) أي عصير الذرة؟

يذكر قدامى البحّارة الذين عملوا في الطرق الملاحية بشمال السودان، أن محطّاتهم المنتشرة هنا وهناك، كانت تعجّ بصانعات الخمور البلدية، ولا زالت بعض المباني القديمة بالجزء الجنوبي لسوق عبري، تحمل أسماء بعض من اشتهرن بصناعة الخمور في العقود القريبة، ( السّارة، تامزين ...الخ).

عن مجالس الشراب وطقوسها يطول الحديث، فقد كانت الضيافة مناسبة ثابتة لتقديم المشروبات الروحية، يُخص فيها الضيف بالنصيب الأوفر من الحفاوة والتكريم، وكانت نوعية وحجم الذبيحة، معياراً لتقدير المستضاف، ولم يكن مجلس الشراب يخلو من الشعراء والمغنّين، المحليين أو الجوّالة،
كان للضيف مكانة الصدارة في المجلس العامر بأطايب الطعام.

وحين يتبارى الشعراء والمغنون، تسير بأشعارهم الركبان.. مدحاً وذمّاً وهجاءً وتمجيداً، وسخرية أحياناً. يتصالح فيها المتخاصمون أو تندلع بينهم المعارك الكلامية و تصفّى فيها الحسابات القديمة، وتنتهي بعض لياليها بعراك دون إسفاف،

كانت تلك المجالس، شكلاً أنيقاً من أشكال العلاقات الاجتماعية، يجتمع فيها الأصدقاء، ورفقاء الساقية، وأبناء الحي الواحد بالتناوب..


وحين تغنّى الفنان الرمز محمد وردي رائعته "صواردن شو"، واستهل في مقدمتها وصفاً دقيقاً لطقس مجلسٍ عامرٍ بالأصدقاء ، ثم عرج في وصفه إلى تفاصيل ثراء الدّكاي، رونقها، وجودة تمورها، وأنفة أصحابها وعراقة منبتهم ، والمروءة والنخوة المحتشدة في أجاويدهم...... قامت الدنيا ولم تقعد... لمجرّد ذكر سيرة الخمر !!!

** الغناء نشاط إنساني يتأسس على موسيقى ونص (شعري) وحركة (رقص) مصاحب.
(1) الموسيقى (وهي مجرد أصوات منغّمة يضبطها إيقاع) تعتبر مجرد أصوات لا تعبر عن معاني مفهومة بل أحاسيس خاصة بكل مستمع حسب مزاجه الخاص.. وهنا لا يجد المرء مبرراً لتحريمه، لأن الموسيقى لها وظائف تعبيرية أخرى غير الغناء الدنيوي، فهناك الموسيقى العسكرية وموسيقى أخرى للعلاج وموسيقى تصويرية للأعمال الدرامية،وموسيقى للابتهالات الدينية..

(2) النص الشعري ( كلمات تعبر عن معنى أرادها الشاعر) وهنا يمكن أن يطال التحريم الشعر الخادش للحياء أو المعتقدات أو ما يمس الذوق العام. ومن غير المجدي تحريم الشعر لأن بعض الشعر سيء وبعضه الآخر حسن ومقبول..
(2) الرقص وهو (التعبير عن الأحاسيس بترجمتها إلى حركات معبرة تختلف من شخص لآخر)، فهناك الرقص الفني (الباليه) ورقصة الحرب، والرقصات في حلقات الذكر، ورقصة الحمام السودانية وعرضة الجعليين ودليب الدناقلة وأيضاً (الكشف) الحديث.

إن أية ديانة سماوية تحرّم الرذيلة وتدعو إلى الفضيلة، ومن هنا كان لا بد من التدقيق في إطلاق الأحكام والتثبت من الحرام البين والحلال البين، وفي عالم اليوم لن تجد قانوناً يمنع شعباً من الشعوب من ممارسة طقوسه الغنائية التي ارتضاها وفق معاييره الأخلاقية والعقائدية وموروثاته، (وهذا المنع حدث في الإقليم النوبي من قبل الطوائف الدينية منذ أكثر من مائتي عام).. ولعل المدقق يلحظ انقراض الآلات الموسيقية في تلك المنطقة والتحوّر الذي حدث للنص الشعري ( بوضع مقدمات دينية في الأغاني الدنيوية) والاستئصال الواضح في حركة الرقص النوبي، كما شهد جيل الآباء تلك المواثيق التي كانت تمنع الغناء وتعلّق في المساجد، باعتباره حراماً، يتعرض المبدعون فيها إلى المقاطعة والمحاكمة ويسمون (بالصعاليك)..

ومع ذلك فقد انتشرت الأغاني في كل مكان، وارتقى مفهوم تحريم الغناء إلى الوعي بأن الغناء مثل الوعاء يأخذ شكل المادة الموضوعة فيه ( حلالاً كان أم حراماً)، كما أفتى به أحد رموز الحركة الصوفية بالسودان(.
والغناء الذي يحتوي على نص شعري رصين وموسيقى رفيعة لا يجمل تحريمه لمجرد أن بعض المستمعين عبروا عن أحاسيسهم برقص فاضح.. فالأديان لا تأخذ البريء بالمذنب..

** الدكاي، باللغة النوبية نوع من الخمور البلدية التي تصنع من التمر، والفنان محمد وردي لم يبتدع أغاني (القيسلية والكلوقية)، تلك الأنماط الغنائية الموروثة منذ آلاف السنين، والتي كان ذكر الضيف والمضيف وجلساء مجلس الشراب جزءاً أصيلاً فيها، (غناء الكلوقية - حسن قبيلة، كوشة - تسجيلات آرثر سايمون، 1953-1975م) ويعتبر نمطاً غنائياً ، ظل شائعاً حتى العقود القريبة، كموروثات قديمة، مثل التغني بالخمر في افتتاحيات الشعر العربي قبل وبعد الإسلام ،والغزليات التي كانت سائدة في المجتمعات القديمة.. مثل قصيدة سعاد في مدح الرسول(صلعم): بانت سعاد فقلبي اليوم....

وقد تغنّى الفنان وردي أبياتاً من تأليفه (مقدمة صواردن شو) كافتتاحية مستقاة من صميم الممارسات النوبية، ولم تكن دعوة لشرب الخمر كما يتوهّم البعض، وهو ذات المنظور الديني المتشدد الذي دفع أهل التوجه الحضاري لإعدام كل منتج غنائي وردت فيه ذكر الخمر ضمناً أو صراحاً من الأرشيف الغنائي السوداني ، وهذا، في زعمنا، ليس ضد تحريم الخمر ولكنه تحريم لذكر اسم الخمر على وزن(شروع في السكر)، وهذه بدعة جديدة.

والفنان وردي، وهو يعيد هذه الأنماط الشاردة من أجناس الغناء النوبي إلى الوعي الإبداعي يستحق الشكر، وهو ذات الفنان القامة الذي جعل أبناء السودان في مشارقهم ومغاربهم يهرولون وراء محطاته الإبداعية، وهذه المبادرة الجديدة في ملف الرجل تستحق الوقوف عندها من منظور إبداعي وتوثيقي يسعى البعض إلى محاكمته ومحاكمة التراث النوبي الممتد في عمق التاريخ، فالمجتمع الإنساني زاخر بمثل هذه الطقوس الغير مقبولة لدي الأديان السماوية ولكنها تظل جزءاً أصيلاً من الممارسات اليومية المستعصية، كاتخاذ قطاعات كبيرة من أهلنا في غرب السودان وجنوبه (المريسة) بمثابة غذاء يومي، وطقوس الزار التي تسكنه طقوس مسيحية ووثنية، والختان الفرعوني الذي يمارس عياناً بياناً في المستشفيات الحكومية.. الحرام بين والحلال بين، وليس من الحكمة في مكافحتها الكيل بمكيالين.. وقانا الله شر كل حرام.


روّاد الغناء بمنطقة السكوت
مكي علي إدريس

حول السؤال : من هم روّاد الغناء في المنطقة النوبية ، قد يتبادر إلى أذهان البعض ، تلك الإجابات الجاهزة التي لا تخرج عن ذكر الرّواد ممّن اشتهروا على النّطاق القومي ، وبعض الفنّانين ممّن تغنوا باللغة النوبية من هنا وهناك . بيد أنّ الإجابة لن تتطرّق لأولئك المبدعين الذين صنعوا هؤلاء ، وشكّلوا الذائقة الشعبية والوجدان واثروا اللغة ونثروا الحكم والأمثال ، ووضعوا القوالب الغنائية وورّثوها للاجيال . والذي نعرفه عنهم ضئيل ومتواضع ، نحن لا نعرف شيئاً عن الغناء النوبي القديم ، موسيقاه ، قوالبه، مضامين شعره ، طقوس الرقصات المصاحبة له، واكتفينا بما وجدناه في معيّة جيل الآباء ، ثمّ هجرنا (آلاتنا الشعبية) الدّلوكة والطبل والطار والطنبور، وتبعنا تابعين التّابعين في الهرولة من وراء الآلات الغربية ، التي أفقدت النوبيين :-
(أولاً) آلاتهم الموسيقية والإيقاعية التي اتّخذوها منذ زمن سحيق للتعبير عن وجدانهم ،
(ثانياً) أسلوب التاليف (القالب الموسيقي) ونمط الغناء وفنّيات الأداء ،
(ثالثاً) شاع التحديث العشوائي المبني على التقليد والتقمّص للونيات غنائية(عشوائية)، مكتسبة من إفرازات الشعور بالخواء من جراء البعد عن البيئة والمشروعية،
(رابعاً) الرقص ، وقد تضاءل دوره ، بدرجة قريبة للمجتمعات التي تسقط دور المرأة بمنظور آيديولوجي متخلّف، فتداخلت ألوان الرقص بقدر فقدانها لوظيفتها المكمّلة لطقوسنا المميّزة ، شأن القوميّات الاخرى في أصقاع البلاد شرقها وغربها وجنوبها . يحدث هذا كلّه بإسم ( التطوير والتحديث تحت ستار الأدلجة ). والقاعدة تنهض بأن لا تطوير أو تحديث إلاً من خلال تطويّر وتثقيف الإنسان نفسه.
والحديث هنا يصبّ في أهمّية التوثيق لرموزنا من الفنانين والمبدعين في شتّى المجالات، وفي مجال الغناء على وجه خاص بمنطقة السّكوت ، في إطار العقود الأولى من القرن العشرين .

المغّني الشّاعر حسن محمد فضل (حسن فقير- 65سنة) ، أحد رموز الغناء في السّكوت ، وراوية الألماني (آرثر سايمون 1973-1975) ، مقيم حالياً بالرياض ، ساهم معنا مشكوراً في رصد هذه المعلومات عن المغنّين والمطربين من الجيل السابق.

كانت أنماط الغناء المتداولة في السّكوت في مطلع القرن الماضي ، الكلّوقية ( بمعنى المجادعة ، أي غناء مموسق تبادلي بين شاعرين أو اكثر ) ، والقيسليّة ( وهي نمط من الغناء المموسق لشاعر مفرد ) قال عنها الفنان وردي إنّها القالب الموسيقي النوبي الذي اتّخذه السودانيون وعاء لغناء ما سمّي بالدوبيت ، أمّا النوع الثالث فهو الغناء بمصاحبة آلة الطنبور ، وتؤدّى في ساحة دائرية يؤمّها الرجال والنساء ، إضافة إلى نمط الغناء الديني الخاص بالنساء ويسمّى ( صلّي) ، ونمط آخر ملحمي يسمّى (مسلي) يؤديها الرجال والنساء في حلقات الأمسيات.
عُرف أهل السّكوت بولعهم الشديد بالغناء والرقص، فازدهرت أنماط الكلّوقية والقيسلية ،التي تعتمد على توفّر الملكة الشعرية إلى جانب عقلية موسيقية تؤهل الشاعر لموسقة نصوصه بنفسه ،وإذا علمنا أنّ الفنان النوبي يفترض أن يكون مؤلف وملحن ومؤدّي اغنياته حتّى يعمّد فناناً ، يبدو جلياً صعوبة مهمّته . ولمّا كانت طقوس الغناء تؤدّى في إحتفالية ملحوظة، يشارك الجميع في ادائها ، فإنّ المشارك والمشاهد يجد فرصة كافية للتدريب على تصحيح أى خلل في ذاكرته اللحنية، ولذا نجد النوبيين يتميّزون بعقلية موسيقية كبيرة (د. مكي سيد احمد : خصائص اللحن والإيقاع في منطقة السّكوت ، رسالة دكتوراة).
سنذكر هنا الفنانين الذين مارسوا الغناء في السّكوت ، وكان لهم حضور ملحوظ في الساحة، الكثيرون منهم كان لهم إنتاجهم الخاص وأغانيهم التي يرددها الناس إلى الآن ، ولا زالت المدارس الغنائية التي وضعوها أو توارثوها، تشكل الرصيد الحالي من المنتج الغنائي . ولا نستبعد أن ننسى البعض ممّن لم تستوعبهم الذاكرة ، وساهموا مع هؤلاء في إثراء الوجدان الشعبي النوبي، فنرجو شاكرين أن تمدّونا بأسمائهم لمصلحة التوثيق ولكم خالص الشكر .

المرأة النوبية كانت المبادرة والرائدة في فن الغناء النوبي على إطلاق الكلمة ، وقد تفوقت على الرجل في الشعر والتعبير عن تفاصيل الحياة النوبية، فهي التي غنّت وسبقت الرجل في الأبتهالات الدينية ( سلّي ) واستقبال الحجاج وتوديعهم، وأغاني العريس والعروس، وفي شعر المرثيات (كير اوج) وتفاصيل أخرى سوف نتعرّض لها ً لاحقاً .

هذه قائمة تضم بعض أولئك الذين غنوا وأطربوا وزرعوا الفرحة في أمسيات النوبة في منطقة السّكوت من الرجال ، وسوف نكتب عن النساء لاحقاّ

- من ( ملك النّاصر) عثمان اسماعيل المشهور ب(عثمان فركو) – فرّوح- محمود أحمد خيري-
من (أوكمة) برز الفنان أحمد خيري سمل – حسنين حسنين، وفي جزيرة –كولب نجد أحمد آغا
في ( سركمّتو) - أبو طه – جلال فقير علي - محمد داؤد كاره – عبده بدري
وفي (دال) محمد شريف – صالح شيلا – محمد جعفر – عثمان سليمان داؤد سليمان (عثمان دال) – محمد عبد النبي عثمان

في فركة : سعيد أحمد سعيد (سعيد دوكّي) - عثمان نقاش - سليمان محمد سليمان - محمد صالح ميرغني – مندق علي الأزهري.

ومن ( مفركّه) برز حسن سليمان صابونه (حسن قبيلة) – سيّد محمد فضل ( سيد تبد) - زبير خليل عتيقي- احمد حسن خليل- زبيرأحمد - محمد بشير قرشي- صالح فانه - سيد صالح من غرب مفركة علي هشّاق وعمّه محجوب محجوب– زبير محجوب ،و حسن خيري من جزيرة (سرقد)

في(كوشه) : عبيدي فضل عبيدي - وسليم فضل عبيدي – عبد الحميد ابوعيسى – عبد الحميد سليمان - محمد خيري شنّان

وفي( سلم غرب جنس) حسن فرح عبد الرحمن- محمد صالحين عناني – محمد حسين احمد – أنور دلوشي
وفي (عطّب) صالح تينة – عبد العزيز محمد حسن –

ومن عمارة: علي صالح فضل – علي عثمان داؤد – محمد سيّد جبر – حسن صابر – فضل موسى – محمد سيد فقير –

وفي (عبري) نذكر : محمد سيّد بصير (أسد) – إبراهيم حسن المصري – محمد عبد الرحيم داؤد – عابدين عبده بصير – حسن محمد فضل (حسن فقير) - (عبد المجيد سالمة) – عباس حسن أرباب – عبد المجيد سليمان - جمال حسين ارباب – شكري حسين ارباب – ميرغني حسين أرباب (حسبو) – خليل سليمان علي – مكي علي إدريس- علي إدريس )علّوب ديكه) – عثمان بشير – أمين سيد علي – سيد محمد توفيق- عاطف علي حسن – محمد (بلّي) – الوليد حسن ارباب – حسن احمد صابونة – اشرف حسن احمد – سيد إبراهيم المصري – حافظ إبراهيم المصري- احمد عز الدين – مامون علي إدريس – أنورعلي اسماعيل – مبارك محمد عبد الله – صلاح شبيل - حسن سيد احمد قرني -

وفي تبج – سيد أحمد محمد عبده – شدّاد سيد احمد – حسن محمد خير (حسن اريّا) – عبد الكريم فرح عباس- محمود يحي محمود - محمد عبده عثمان – محمد أحمد محمد بدر
وفي ( جزيرة أرنتى): محجوب محمد عثمان (سيدي) – شوقي أبوبكر- عبد الجليل محمد جبارة – خليل احمد عبيدي- عز الدين عثمان عبيدي – عوض طاهر – عثمان داؤد عثمان - فؤاد محمد حافظ، عاطف محمد خيري -

في (عدو) بجزيرة صاي نجد خليل معروف الكبير( طنبوره موجود بمتحف اللوفر بفرنسا وكان مؤلفاً شاعراً) - أنور بيكاب – محمد عبد الله متولي –ميرغني عثمان مكاوي و(إخوانه ) ، بكري وأمير والصادق، حفظهم الله.

وفي دبشّه : دهب خليل (دهب شار) - عبد الوهاب عبيد - عثمان علي و أولاده أنور عثمان علي – علي عثمان علي -

وفي صيصاب نجد خليل فرح بدري و يعقوب علي هاشم – حسن محمد علي – محمد فرح عبدون – فكري حسن اب طور – محمد سعيد كوكوك-

وفي موركة – محمد حسين حسن – حسن سيد همّد – حسين محمد حسين (حسين بابه)- حسن خيري ( آل بدري) ومحمود ماده-

ومن ( توشكي) : محمد سيّد رفاعي – نصر الدين سيد – حسام جلال –

وفي حميد – محمد نور – عثمان حسن سلو – محمد سليمان هياك –

في ارودين – محمد حسن علي (بطل) – محمد علي داؤد – عبدالوهاب همّد

في (نلوتي) : برز عبد الله صالح العربي – وشريف جبارة – ومحمد حمزة – وعلي شلبي – وعثمان بدري – عبد الله الزبير-

ومن (كويكه) : عبد الكريم السيّد – ومحمد فرح شاويشاب( كبشو)

- ومن )عبود):- فنجري – حسين وقيع الله (حسين لالا) – صالح بلول – سيّد إدريس- جمال عبّاس – وجمال إدريس
وفي (حميد) : عبدون خميس – محمد نور محمد –

وفي خنّاق عبد الرزاق حسين (شكشك) – أحمد مصطفى الشايق- -سيد عبدون – وشريف حسين –

وفي (أبراقه) : سيد سليمان – عثمان عبد الله - أورك الدين أحميدي – ومن (مرمندي) محمد شريف - حسين داؤد

ومن (قبّة): ود البحر – سيد عبد الجليل – شعبان محمد شعبان –

في نلوة – سيد حسين فطّوم – أنور حسين خضر – شريف حسن – سليمان محمد سليمان –

في صواردة –محمد عبد المولى – صابر خليل – شوقي بشير علي حمزة – محمد إبراهيم كبوش – محمد عبد الرحمن – جبر عبد الرحمن – محمد احمد داؤد (كوبشو) – محمد وردي – محمد حسن علي بلال- حسن محمد غانم – محمد بدري حسن – صلاح محمد علي موسى –

في إرو : عبد الخالق أحمد سليم – حمدتو طه سليمان – علي خيري علي – إبراهيم طه سليمان – إدريس عثمان إدريس – عباس عثمان –

وفي أشمّتو: علي سليم محمد – صلاح محمد عبده – وهبي محمد عبده

ونواصل.

ولكن....
نرجو تذكيرنا بمن أخطأتهم الذاكرة مع فائق الشكر..








ينتابني الخجل، وتغمرني مشاعر الهزيمة، كلّما تذكرت أنني أعيش في بلاد، لا زال ساكنوها، يختنون نساءهم ويهربون من ألوانهم السّمراء الذاهبة إلى السواد، باستعمال مساحيق الأنساب ومزيلات الهويات الأصيلة والمرتبطة بلحم الأرض وشرايينها الحيّة.

كما قلت من قبل، أن الذاكرة قد تخطئ وقد تصيب... لقد أضاف الطاهر بدر، سلسلة من المبدعين في قرية تبج، أشاعوا البهجة في روابيها، كما سقطت من السّلة اسم صديق العُمر الأستاذ الحسن هاشم محمد عثمان )سيدي)، المنافح والمناضل الشرس منذ بواكير أيامنا بمدرسة دنقلا الثانوية العليا، وحتى هذه اللحظة،، ليس هذا فحسب!!!!

لقد سقط سهواً اسم الفنان الشاعر الكبير إبراهيم عبده، الذي سمعته يغنّي بعبري وعمارة، في تلك السنوات البعيدة، وكان يميّزه عنّا قوة صوته ووضوح مخارجه، ولم يكن في حاجة لمكبّر صوت، لتغرّد القرية على أنغامه وتطريبه المميّز... إبراهيم عبده، هو ذلك الفارس الذي أثرى وجداننا جميعاً بشخوصه النارية في مراثيه المبدعة " اوندي" و" عبودي".. لقد أعاد إبراهيم عبده إلى وجداننا سير الشعراء القدامى الذين أثروا ساحاتنا بكل الإبداع الهادئ الرزين

لدهشتي، لم أذكر سيرة الفنان خليل عبد الرحيم، وهو أفضل من غنّى " دهبية" الشاعر دهب خليل، وكان صوته –ولا زال- مشبعاً بعرق السواقي وصهيل القواديس، والعشق الشجاع.. وكان اسم "حاج" طاغياً على خليل ودّ العمدة..
بجانب الفنان إبراهيم عبده، والفنان خليل عبد الرحيم، لم يكن لي اسمٌ يذكر، كنت أتحسس طريقي بين تقليد أساطين الغناء (دهب خليل- وردي- حسين لالا)، وأتخفى وراء خليل سليمان ( خليل مسكة)، عازفاً للطنبور، حتى عرس الأستاذ محمد عثمان نور الدين بعبري.. لم يجد الفنان خليل مسكة، حظّه من الانتشار، برغم أنه كان فارس الحوبة في أعراس عبري لسنين عددا، كان من الشعراء الذين يحشرون إنتاجهم الشعري في أغنيات شائعة، وله إضافات رائعة في أغنية " دوكا منجمي قدمقا)، التي غناها أحد فناني قرية قرقود بالمحس، ولكن الألماني آرثر سايمون وثّق له بعض أغانيه في 1974م، ومن الأعمال التي ردّدها وأجادها خليل مسكة أغنية " الله قلبنقا شورتنقا .. ياسلام)، وهي أغنية ألّفها وغناها الفنان صالح عبد الله، من أرض الحجر.

كما أني لم أذكر أن أبي كان يغنّي بالدنقلاوية ( في مجالسه الخاصة)، وكان يصاحبه بالطنبور الراحل عبد الله سمعريب، وهو ينتمي إلى قرية "سمعريت" بالشايقية، كان أبي يمتلك صوتاً محتشداً بالتطريب، كأخته نفيسة إدريس (عمّتي)، وكانت مغنية شهيرة في شبابها....



احتوتنا أسوار مدرسة دنقلا الثانوية، وعدنا إلى عبري ذات إجازة، وأسّسنا أول فريق لكرة القدم، على أرضية فرقة الكشافة التي أسسها الرّاحل الحاج عبد العزيز المصري، ومحمد صالح أبو القاسم، ومراد طه حمدون، وفي تلك السنة (1966م) قمت بأول رحلة إلى قمّة جبل عبري، مع شوقي محمد علي، وكانت مغامرة لم نكشف عنها إلاّ بعد سنوات طويلة..

لم يكن يسمح باكتساب عضوية نادي عبري للطلاّب، فتحايلنا بتأسيس إتحاد الطلبة في 1968م، على أن نمارس نشاطنا الكشفي والرياضي داخل النادي، وتعرّفنا لأول مرة على طاولة البنق بونق، والمكتبة وكرة القدم بقوانينها المعروفة، ثم عقدنا العزم على إحياء النشاط المسرحي بالنادي، وعرفتنا مسارح السّكوت ( صاي، تبج، كوشه، فركة) ثم المحس وحلفا ودنقلا لاحقاً.

وما كان ذلك ليتمّ، لولا ذلك الرعيل الذهبي، الذي رعانا خير رعاية، ووقف إلى جانبنا بكل الأريحية والجدّية: وفي مقدّمتهم:
الراحل المقيم : إبراهيم حسن المصري.. الممثل الشاعر الإنسان، الملحّن، المونولوجست، والنّجار المبدع، ومخطّط مسرح نادي عبري، بعد التوسعة. المسرح الذي سُمّي فيما بعد بمسرح حسبو، بعد رحيل الأخير تخليداً لدوره البارز في المسرح النوبي بالسكوت.

العمّ المخضرم: عز الدين صديق، وهو الرجل الغني عن التعريف.. ظل حتى آخر يوم من حياته، رئيساً فخرياً لنادي عبري.

لابد للزوار، والأساتذة والطلاب الذين تواتروا بمدرسة عبري الوسطى، أن يتذكروا مديري البوفيه بنادي عبري منذ التأسيس

• عثمان الشيخ إدريس بمنزل عبده رجب..
• عبد السلام عبد الوهاب
• محمد صالح أبو القاسم
• هاشم أحمد الصافي
• حسن مرقون
• أمين سيد علي
• دهب عبده بصير
• عبده حسن أرباب
• مصطفي أحمد (خال الأستاذ مختار علي مختار)
• ميرغني حسين أرباب
• فتحي طعمية
• محمود كوش
• عبد الخير عبد الله عبد الخير
• أحمد بشير وأولاده
• محمد فضل الله
• عبد المجيد سليمان
• عادل جمعة العربي

وليعذرني من سقط اسمه سهواً ..
وأعتقد أنهم لن ينسوا " يو مدينه أراب"، صاحبة أكبر قطيع من الأغنام والضأن، وبائعة الطعمية الشهيرة، التي كانت تداعب "أبناء الفقراء" بنفحاتها التي لا تنتهي- رحمها الله رحمة واسعة، ولن ينسى أهل عبري حسينة بائعة الطعمية، وعبد اللطيف أبو دقّة ومحمد خليل سورته، وسلال البطيخ والشمام، أمام المدارس والبيوت والطرقات..


الاساتذة: شوقي حمزة، يوسف صابونة، عبد العزيز شوربجي، محمد إبراهيم عثمان، عبد الكريم فرح عباس، محمد هارون أحمد، محمد حسن عبد المجيد (كشكول)، تشرّفنا بقيادتهم وتوجيهاتهم، في تلك المرحلة، وهم من أوقد في أفئدتنا الصغيرة معنى الانتماء إلى عبري، القرية، ومراكض الصبا.

برغم أن النشاط المسرحي في عبري بدأ في أوائل الستينات، إلاّ أن دخول العنصر النسائي في الأداء جاء متأخراً، بأوائل السبعينات، بظهور جيل الممثلات الجادات، اعتماد علي إدريس، صباح عثمان بشير، نجاة محمد عبد الله "نانا"، حبيبة حسن كاشف، سمية محمد عبد الله، وهي الآن ممثلة قديرة بالمسرح بدنقلا، حنان علي إدريس ،(علوب ديكه). شادية أحمد مرسي، سعاد محمود شوربجي، وفي نادي الإتحاد (عبرنكونج) سلوى حسن عبد الوهاب، وفاء متولي حسن، أماني سيد بدر الدين، وغيرهن،

أمّا الأستاذة زينب الحاج فرح، فهي عميدة النشاط النسائي في السكوت، دون منازع، ، كانت ولا تزال- بذات الروح العالية والحماس الدافق، تستنهض همم النوبيين لتنمية المنطقة، ولعل بصماتها الواضحة في كهرباء عبري، وصهريج المياه، والنشاط النسوي، تشهد لها بأدوارها الرئيسة، وهي التي أخرجت النشاط المسرحي في عبري إلى رحاب المحس وحلفا ودنقلا... وكان في ركابها ناشطات من معلّمات عبري، الأستاذة عازة عبد النبي صالح، الأستاذة فايزة سليمان علي، وغيرهن.. زينب الحاج، امرأة بحجم وطن.. تستحق أن نفرد لها صفحات وصفحات في كتاب تأريخنا المعاصر.. حيّوا معي زينب الحاج، المقيمة بجدّة- المملكة العربية السعودية.. فقد أرضعت الفنان أشرف صابونة ماء الإبداع الرائق. كما أخذت بيد العازف السوداني الشهير " أحمد ساطور.. في بواكيره بمركز الشباب بعبري.

كان أبرع من قاموا بأدوار النساء في المسرح، إبراهيم حسن المصري، أحمد عز الدين، محمد عثمان داؤود، فؤاد عبد الوهاب (فؤاد أليسه)، الأستاذ يوسف صابونة، وحسن محمد فضل، وعبده رجب، وفي مراحل لاحقة، نجيب محمد سيد بصير (نجيب أسد)، جمال علي إدريس، أرباب حسين أرباب، والفنان المسرحي الأوّل ميرغني حسين أرباب، الشهير (حسبو)، وأشرف أحمد المصري، وفؤاد شبيل، وفتحي طعمية من كوشة، وكان ممثلاً موهوباً، جاء من مصر، متزوداً بخبرات مسرح نجيب الريحاني، وقد ساهم ببراعة في ترقية فن المونولوج، وقدّم وصلات درامية راقية، لا زالت محفورة في ذاكرة العامة.




حين يطل رجل مثقف في قامة محمود عابدين هنا، يزورني الخوف... فهذ الرجل ... أقصد هذا القلم العنيد المهذّب، سوف أعمل له ألف حساب... هو أول من استنطقني في هذا البلد كلاماً نوبياً باللغة العربية... وسترون بأم أعينكم....

ولأستاذي الفاضل عمر عثمان صالح ( تنري)، الذي عاد إلى الوطن، بعد أن غلبته الأشواق، تحياتي وتقديري الجمّ...
سألته ذات مرة عن التعليم في بلدنا، فارتجل كلاماً صادقاً كعهدي به.. قال:


ذكريات مدرّسين زمان
الأستاذ عمر

الكلام عن التعليم في بلدنا ، يحتاج لمجلّدات ، كبارنا تعلّموا في الأزهر ومدرسة (العرفاء) وفي كليّة غردون اللّي إتحوّلت لي (جامعة الخرطوم )، وكانت بداية التعليم بالخلاوي- رحم الله شيوخنا الذين تكفلوا بتعليمنا القراءة والكتابة وحفّظونا أجزاء من آي الذكر الكريم، ولا زالت في الذاكرة طقوس الاحتفال بختم الأجزاء (جزء عمّ – جزء تبارك - جزء قد سمع ...الخ ) والهدايا وحلقات الذكر والذبائح ، أيام كان للنّجاح طعمه الخاص ، ولا أنسى (راية الشيخ) التي كنّا نحملها ونحن ننشد الأذكار ونطوف ببيوت الحي ، والذبائح أمام كل دار ، لرفع البلاء وقرباناً للسلامة من الأمراض والكوارث وشكراً لله على نعمه على العباد ورؤوس الذبائح التي كنّا نجمعها من الناس ونرجع بها للخلوة ، ونجمع الحطب في احتفال كبير ونصنع وليمتنا بأنفسنا ، تحت رعاية الشيخ ، كانت أيام لا تنسى .
وظهرت أولى المدارس في منطقتنا في العقد الأول من القرن العشرين حوالي( 1909م) افتتحت مدرسة عبري الأولية للبنين(أهلية) وفي دلقو عام (1911م) وفي حلفا عام (...) وفي دنقلا (....) ، وبظهور المدارس النظامية هذه ، تطوّرت الخلاوى إلى ما سمّيت بالكتاتيب ، ومفردها (كتّاب) وتمتّعت الكتاتيب ببعض الإشراف من ,.وزارة المعارف ، كانت تبعية المدارس الحكومية مركزية بالدامر ، أمّا المدارس الصغرى فقد كانت تشرف عليها المجالس الريفية واكتسبت صفة (أهلية) من مساهمة الأهالي ببناء المباني المدرسية وهي فصول دراسية في القرى تتكون من ثلاثة فصول ، وقد خرّجت هذه الفصول العديد من المعلّمين الأوائل ، في عام 1955م ، وبجهود مقدّرة من بعض معلّمي المنطقة واذكر منهم الأستاذ محمد عثمان وردي أتيح لتلاميذ هذه المدارس الصغرى أن يمتحن تلاميذها إلى فصل (رابعة) في المدارس الكبيرة ، وفي ذلك العام كان الممتحنين للصف الرابع بمدرسة عبري الأولية من كل مناطق المحس والسكوت . كان إشراف المجالس المحلية على المدارس الصغرى ولذا سمّيت (مجلسية) والمعلّمين العاملين فيها (معلمين مجلسيين) . كانت المرحلة التي تلي المرحلة الاوليّة هي المرحلة الإبتدائية أو (الوسطى) ، وكانت أربع مدارس هي مدرسة حلفا الحكومية ومدرسة حلفا الاهلية وعبري الحكومية ، ودلقو الاهلية والمرحلة الثانوية بعد ذلك ، وأشهرها كانت مدرسة (وادي سيّدنا ، ومدرسة حنتوب ، وخور طقّت ) غير أن معظم تلاميذ المديرية الشمالية كانوا يجدون فرصهم في (وادي سيدنا الثانوية) نسبة لدرجات النجاح العالية بين طلاّبها ، .. أكثر الظواهر في تلك الأيام ،كانت المركزية في تنقّلات المعلّمين ، فقد عمل كل قدامى المعلّمين في كل أنحاء السودان ، وكان المدرّس يوقّع على تعهّد باستعداده لتنفيذ الأمر بالنقل لاي جهة في السودان عند تعيينه في المهنة ، كان المعلّم يسمّى (مدرّس )أو شيخ لدى العامة من الناس والمدير أسمه (النّاظر) أما الموجّه والمشرف التربوي فكان يسمّى ( المفتّش) .. كانت وزارة التربية والتعليم تسمّى (وزارة المعارف) ، وفي الزمن داك أي واحد أحرز نجاح في الثانوية كان يضمن وظيفة في الحكومة ، عشان كده المعلّم كان في أيامنا (فارس أحلام البنات) واكتر واحد مضمون عند التجّار ، كانت الماهية تكفّي وتزيد)ونوفّر كمان ) . كانت المواد في المدارس الثانوية تدرّس باللغة الإنجليزية ما عدا اللغة العربية والتربية الإسلامية ، والكتب والأدوات الكتابية من أقلام وكراسات كانت من الحكومة (مجانية) وكذلك الإعاشة في الداخليات كانت برسوم رمزية للقادرين فقط ، ولكن بعد توسّع التعليم لم تستمر مجانية التعليم ،.. وبالمناسبة التعليم في البداية ، النّاس كانوا بيرفضوا يدخّلوا أولادهم في المدارس ، كان في اعتقاد بأنو التعليم بيعلّم الأولاد قلّة الأدب أو يبقوا (كفّار) ، ولكن الفكرة دي حاربوها المعلّمين الأوائل . التعليم بدا في السودان لمّا الإنجليز احتاجوا لموظّفين من السودانيين عشان يتولوا المناصب الدنيا في الخدمة المدنية ، وأنشاوا مدارس مهنية وأكاديمية في كلّية غردون ، و..... (نواصل ( ..








تحية خاصة لعرّاب العمل النوبي (المقاتلة)..
أم النوبيين (سآد آشا)..

وقيام ولا جلوس

والتزام صارم بالعودة... ولا تراجع

سأكتب إليك ايتها القامة فوراً

ونواصل

في مدرسة دنقلا الثانوية (1966-1970م)ـ توثقت علاقاتي بمكونات الحوض النيلي الضيق، الشريط الممتد من وادي حلفا إلى دنقلا.. تعرّفت على أناسها ، ومحطاتها البرية والبحرية، وطيورها المهاجرة في كل المواسم.

لن أستغرق الآن في سلسلة المشاكل المدرسية، وإضرابات الطلبة ثم إضرابات المعلمين، سأجد فسحة من الوقت لذكرها، ولكن لا بد من ذكر بعض إرهاصات الاتجاه إلى الغناء، كنت قد حملتها معي إلى دنقلا الثانوية..

في عبري، وفي منتصف الستينات، كان الفنان خليل سليمان يغني في بيت عرس (عرس أنور حسين أرباب)، وقد تواجد الفنان صالح عبد الله، من أرض الحجر، في تلك الأيام منذ (عرس عبده مرسي)، هل يلاحظ القراء أنني أؤرخ بمناسبات أعراس؟
نعم كانت طقوس الأفراح من الأهمية بحيث يؤرخ بها الناس ، مثلها مثل الطوفان الكبير (سنة 46)، و(سنة ستّة) عام المجاعة..

كنت أحشر بعض أشعاري النوبية الأولى في أغنيات الفنان خليل سليمان، ثم أتنسّم عبير الإطراء حين يرددها الرّجل وتزغرد النساء ..

ومبكراً لاحظت احتشاد الكلمات العربية في النصوص النوبية المغناة، حتى الأغاني الأولى التي رددها الفنان وردي.. والمحتشدة بنكهة أغاني الطار، مثل (الليلة يا سمراء) و(الليله وو بلاّج)،

بالنسبة للفنانين القدامى، ربمّا كان إدخال المفردات العربية في النصوص النوبية ضرباً من التفاخر،يلجأ إليه الشاعر لإبراز مقدرته على التعامل مع المفردات العربية، أو كما يقول البعض، نتيجة احتكاك متلازم مع هجرات بطون عربية من الداخل، إلى القرى النوبية أثناء وبعد حملة ود النجومي إلى مصر.. أضف إلى ذلك التثاقف الطوعي بين سكان الشريط النيلي الممتد إلى مدن مصر، الناطقة باللغة العربية.

وعلى أرضية بعض المحاولات الشعرية بالنوبية، وإجادة عزف بآلة الطنبور، وبتشجيع من الأصدقاء، ( حاولت الغناء)،، في عرس أنور حسين أرباب..

ورفض الحضور غنائي... بصرامة.. كلّفتني سنتين من الصمت..

سأقول هنا، من واقع تجربة، أن المستمع النوبي حصيف في تقييم مبدعيه، وصارم في تعميد من يجتاز إمتحان القدرات الفطرية والمكتسبة، لا يحابي، لا يجامل..

على الأقل في القرن الماضي.. كان على الفنان النوبي أن يكون شاعراً يكتب نصوصه بنفسه، وملحناً لأعماله الغنائية، ومؤدياً لها، يتميز بصوت مقبول...

كان الغناء محرّماً قانوناً في عهد المهدي والخليفة عبد الله التعايشي، ارتكاناً لمسوغات دينية، فانتشرت الوثائق التي تحرّم الغناء، والتي كانت تعلّق في المساجد، ويقوم على تنفيذها.. بصرامة- السلطة الدينية المتمثلة، في رجال الطرق الصوفية (إمام المسجد، مأذون القرية، الفكي، الواعظ) الخ...،


لذا كان الفنان النوبي، ناقص الأهلية، لا يؤخذ بشهادته في المحاكم، ويعتبر صعلوكاً،

وفي خضم صراع الثقافة الرسمية، مع الثقافة المحلية، برز جيل من الفنانين الجوّالة، كانوا يتجولون على ظهور الدواب، من قرية إلى أخرى، وساهموا في انتشار الأغاني (العربية والنوبية)، إلى جانب القوافل البرية، والنيلية بطول الضفاف النوبية..

كانت حفلات الغناء تقوم على استحياء، مما حدا بالشعراء إلى استعارة بعض الألفاظ الدينية للتحايل على آليات المنع الصارمة، مثل ( الي لا إله إلا الله ... غالي يا محمد يا رسول الله) و (ياشباب الله ليل يل ليل)، (حارس الله على النبي)... الخ ..

بدأت الغناء بترديد أغنية (دهبية) للشاعر الفنان دهب خليل، ثم أغنية (بلدينا) التي طوّرها الفنان حسين لالا، على أرضية أغنية (دهبية)، وأغنية (ملاك) التي كتبها الفنان سيد إدريس، وطوّرها وردي وقام بنشرها خارج لمنطقة..


ثم فكرت في كتابة أول أغنية بلوني الخاص.. وجاءت أغنية (حنينه مادلي)... التي وضعتها في (دوزنة) موسيقية مغايرة، عما كان شائعاً، كانت تلك الدوزنة الجديدة على الأذن النوبية ، تتيح لي فرصة توظيف صوتي المحدود، ولكني أعتبرها-أي الدوزنة الجديدة- إضافة حقيقية في إمكانات آلة الطنبور، وإثراء قدراتها الكامنة.

وعلى نمط الدوزنة الجديدة ألّفت أغنياتي اللاحقة، باستثناء القلة منها....

ولكن هذه المرة،، لم يرفضني المستمع النوبي.. يبدو أنهم أعطوني فرصة جديدة لعرض بضاعتي... فواصلت مشوار التأليف ... بمزيد من الخوف والحرص.

قمت بتأليف أغنية (نوقسنا)، وهي الأغنية الثانية التي طلعت بها على المستمع... وأذكر أنني قدّمتها لأول مرة بمسرح (أرودين- صاي)، بصحبة الراحل إبراهيم حسن المصري ( لا أذكر العام)، ولكنه كان في أواخر الستينات.. هذا الأغنية وضع ألحانها صديقي الراحل صلاح كردي، وكان يعمل حينها طحّانا بطاحونة توفيق السيد بعبري، مع المرحوم محمد علوش.

أبي – رحمه الله- كان مرعوباً بتعميد ولده(مكي) فناناً، أذكر أنه حاول منعي، بتكسير طنابيري الأربعة، كما لم ينفع الضرب المبرّح بحبل الحمير، وجريد نخل القرقودة.. وحين حملت شنطة الصفيح المجوز إلى داخلية دنقلا الثانوية... كنت أخبئ في جوفها طنبوراً صغيراً، لا يرى النور إلاّ في ليالي الخميس البعيدة عن الرقابة المدرسية...

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى